أطرح قضيةً عميقةً ومؤلمة تمسّ جانباً حساساً من واقعنا الاجتماعي والثقافي، وهي ظاهرة “النفاق الاجتماعي” وازدواجية المعايير في تقدير الأشخاص.
فلنتأمل هذه الظاهرة من خلال عدة زوايا رئيسية:
1. جذور النفاق الاجتماعي وازدواجية المعايير
طغيان المظهر على المضمون: في كثير من الأحيان، تصبح المجتمعات -تتأثر بالإعلام ووسائل التواصل الحديثة- مأسورةً بالصوت العالي، والظهور البراق، والتواجد المستمر تحت الأضواء، بغض النظر عن القيمة الحقيقية أو المحتوى المُقدّم.
المجاملات الزائفة: تبادل الابتسامات والتهاني الشكلية بين أشخاص قد لا تجمعهم مبادئ حقيقية يُعبر عن “تآكل الأصالة” لصالح العلاقات النفعية أو الخوف من الإقصاء الاجتماعي.
2. تهميش أصحاب الكفاءات والأحرار
العمل الصامت: الفئة التي أشرتَ إليها (التي تقدر العمل والإنتاج وتلتزم بالأخلاق والشرف) غالباً ما تكون منشغلةً ببناء الحقيقة والإنجاز بصمت، بعيداً عن صخب البهرجة والاستعراض.
ضريبة الاستقامة: عادةً ما يدفع أصحاب المبادئ ضريبة تمسكهم بقيمهم؛ إذ يُقابَلون أحياناً بالجفاء أو التجاهل من قِبل الدوائر التي تبحث عن التسلية السريعة والفقاعات المؤقتة.
3. الميزان الحقيقي للتقدير
القيمة الباقية: الرتوش والفقاعات الإعلامية مهما بلغت من انتشار، فهي مؤقتة وزائلة بزوال أسبابها. أما الأثر الطيب، والإنتاج الحقيقي، واحترام الذات، فهي الباقية التي لا تُقدر بثمن.
الاعتبار الحقيقي: إن رضا النخبة الواعية، والأحرار، وأصحاب الضمائر الحية، وإن بدا قليلاً في حجمه الظاهري، إلا أنه الأثقل ميزاناً والأكثر استدامة في ضمير المجتمع الحقيقي.
خلاصة القول:
إن مقاومة هذا التيار تتطلب وعياً فردياً وجماعياً بإعادة الاعتبار للعمل الجاد، والأخلاق، والإنتاج الفكري والمادي، وعدم الانجرار خلف “الزيف الاجتماعي” الذي يُمجّد المظاهر الفارغة على حساب الجوهر الإنساني الأصيل.

