بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه
من كتاب الدكتور محمد بن سعد بن بقنه الشهراني تحدث عن لباس الداعية إلى الله حيث يُعدّ لباس الداعية إلى الله من الجوانب المهمة التي تستحق العناية والدراسة؛ لما للمظهر الخارجي من أثر في تكوين الانطباع لدى الآخرين، وما يعكسه من قيم الاعتدال والوقار والالتزام بالهدي الشرعي. فاللباس ليس مجرد مظهر شخصي، بل قد يكون وسيلة تعين الداعية على إيصال رسالته، وتعزز قبول الناس له، متى التزم بالضوابط الشرعية وراعى أعراف المجتمع وعاداته.
وفي هذا السياق، تناولت دراسة علمية بعنوان «لباس الداعية إلى الله: ضوابطه الشرعية واعتباراته الدعوية» جملة من الأحكام والضوابط المتعلقة بلباس الداعية، وخلصت إلى نتائج وتوصيات تؤكد أهمية الجمع بين الالتزام بالأحكام الشرعية ومراعاة الاعتبارات الدعوية والاجتماعية.
وأبرزت الدراسة أن أحكام اللباس العامة لا تختص بالداعية بحكم مستقل، وإنما تخضع للضوابط الشرعية المقررة، مع التأكيد على أهمية مراعاة أربعة اعتبارات أساسية، هي: التقوى، والوقار، والعرف، والمقام؛ فلكل بيئة وعرف ومناسبة ما يناسبها، وينبغي للداعية أن يكون مظهره متوافقاً مع مقاصد الشريعة وحسن التوجيه.
كما أكدت الدراسة أن لباس الداعية يمكن النظر إليه من ثلاثة جوانب: توجيه شرعي يثبت به الحكم، وفعل عادي لا بديل له إلا على الإباحة، واختيار شخصي يدل على الطبع والعادة والآثار المتوارثة من المجتمع. ومن هنا تأتي أهمية التفريق بين ما كان واجباً شرعياً، وما كان من قبيل العادات والأعراف التي تتغير باختلاف البيئات والأزمان.
وتطرقت النتائج إلى أن الشهرة والخروج عن المألوف في اللباس قد يؤثران في قبول الداعية لدى الناس، وأن مراعاة العرف السائد والاعتدال في المظهر من الأمور التي تعين على تحقيق المقاصد الدعوية، مع عدم اعتبار كل مخالفة للعرف مخالفة شرعية.
وشددت الدراسة على أن الداعية ينبغي أن يتحلى بالوقار والسكينة والسمت الحسن، وأن يبتعد عن الغرور والكبر والمبالغة في المظهر، وأن يجعل لباسه وسيلة للتقارب مع المدعوين، لا سبباً للنفور أو التنافر معهم.
ومن النتائج المهمة أيضاً أن العادات والتقاليد والبيئة الاجتماعية لها أثر في تحديد ما يعد مناسباً من اللباس، وأن الحكم على بعض مظاهر اللباس ينبغي أن يراعي أصل العرف والعادة، وألا يُحكم على جميع الناس بحكم واحد في كل المقامات؛ فما يناسب بيئة أو مناسبة قد لا يناسب غيرها.
وفي جانب التوصيات، دعت الدراسة إلى:
1.تعميق الفهم والتفريق بين الحكم الشرعي للباس واعتبارات ملاءمته، حتى لا يكون الدعاة متشددين أو متساهلين، ولا يقدموا هيئة عادية للناس على أنها سنة مؤكدة.
2.مراعاة المؤسسات الدعوية في توجيهاتها لمناسبات لباس الدعاة، والعرف السائد والمقام، دون فرض زي واحد في جميع المقامات.
3.العناية بإعداد برامج لتثقيف الدعاة بفقه اللباس وآدابه، وما يتصل به من أحكام شرعية، والعرف، والشهرة، والقدوة.
وتؤكد هذه النتائج أن الداعية الناجح هو الذي يجمع بين صحة المنهج وحسن السمت، وبين الالتزام بالضوابط الشرعية وفهم واقع الناس وأعرافهم؛ فالدعوة إلى الله رسالة عظيمة، تتطلب الحكمة والرفق وحسن التعامل، كما تتطلب أن يكون الداعية قدوة حسنة في علمه وعمله ومظهره.
والخلاصة أن الاعتدال في اللباس، ومراعاة أحكام الشريعة وأعراف المجتمع، من المعاني التي تسهم في تعزيز صورة الداعية وتحقيق مقاصد دعوته، بعيداً عن الغلو والتكلف والتشدد، وبما يحقق الاقتداء الحسن والقبول لدى الناس.
والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

