Site icon صحيفة صدى نيوز إس

عبدالله والمسمار

 

الكاتب. : عبدالله العطيش

حين ينتصر العلم والإنسانية على وجع الألم

حكاية قدم كادت تبتر، فأحياها العلم، واحتضنتها الرحمة

 

ليست كل الحكايات التي تُكتب بالحبر تُمحى من الذاكرة، فبعضها يُكتب بالألم، ويروى بالصبر، وتخلد تفاصيله مواقف إنسانية لا ينساها القلب ما دام ينبض.

ومن بين تلك الحكايات قصتي التي عرفت باسم «عبدالله والمسمار» حكاية بدأت بإصابة مؤلمة، حين اخترق مسمار قدمي اليمنى، لتبدأ بعدها رحلة علاج شاقة امتدت شهراً كاملاً قضيتُه منوماً في المستشفى، بين الألم والقلق والترقب، وبين سؤال يطاردني: هل ستنجو قدمي من البتر؟

كان الموقف أكبر من مجرد إصابة جسدية؛ فقد كان اختباراً للصبر، ومواجهة بين الخوف والأمل، وبين احتمال الفقد وإمكانية النجاة.

لكن الله، سبحانه وتعالى، يجعل في المحن أبواباً للمنح، ويسخّر لعباده من يكونون سبباً في تبدل الألم عافية، والخوف طمأنينة، واليأس أملاً.

وفي هذه القصة، أضاء النور من حيث كان الأمل ينتظر.

الدكتور عمر عبدالقادر عبدالرحيم… طبيب تجاوز حدود المهنة إلى رحابة الإنسانية.

لم يكن حضوره مجرد حضور طبيب يؤدي واجبه، بل كان حضور إنسان يحمل في قلبه روح الأب، وحنان الأخ، وإخلاص الطبيب الذي يدرك أن خلف كل حالة طبية إنساناً له مشاعر وأحلام وأسرة تنتظر عودته سالماً.

كان يتابع حالتي بعين العلم، وقلب الرحمة، وروح الأمل. بذل جهده، وسخّر خبرته، واجتهد في الاستفادة من أفضل الأجهزة وأحدث العلاجات، ولم يدخر وسعاً في سبيل إنقاذ قدمي من البتر.

لقد علمني هذا الطبيب أن الطب ليس وصفة علاج فحسب، بل رسالة عظيمة، وأن الطبيب الحقيقي لا يعالج الجسد وحده، بل يرمّم في نفس المريض شيئاً من الطمأنينة والثقة بالحياة.

ولذلك فإنني أرى أن تجربة الدكتور عمر عبدالقادر عبدالرحيم تستحق أن تروى، وأن يستفاد من منهجه الإنساني والمهني، وأن يكون نموذجاً يُحتذى به، وجديراً بأعلى المناصب والتقدير فالأوطان ترتقي حين تنصف المخلصين من أبنائها.

Rachelle Huit… ملاك الرحمة الذي كان حاضراً في تفاصيل الألم.

ولم يكن النور في هذه الرحلة مقتصراً على الطبيب وحده، فقد كان إلى جانبه وجه آخر من وجوه العطاء الإنساني، تمثل في الممرضة Rachelle Huit.

لقد كانت نموذجاً متميزاً في التمريض، بارعة في أداء عملها، دقيقة في مهارتها، متقنة لمهامها، والأجمل من ذلك كله أنها كانت تتعامل مع المرضى بروح إنسانية راقية، تجمع بين المهنية واللطف، وبين إتقان العمل ودفء المشاعر.

كانت تعاملني كما يعامل الأب أبناءه، وكما يحتضن الأخ أخاه، ولم يكن لطفها مقتصراً عليّ، بل كان سلوكاً رأيته في تعاملها مع الجميع.

وهنا أدركت أن التمريض ليس مهنة تقاس بعدد ساعات العمل أو الإجراءات الطبية، بل رسالة رحمة، وأن الممرضة المتميزة قد تكون في لحظة ضعف المريض مصدر قوة، وفي ساعة ألمه نافذة أمل.

إن Rachelle Huit تستحق كل التقدير والثناء، وأرى أنها جديرة بأن تتبوأ مواقع قيادية في التمريض، ومنها رئاسة التمريض والجراحة، تقديراً لكفاءتها وإخلاصها وتميزها.

المستشفى التخصصي… حين تتكامل الثقة مع الكفاءة.

ولا يمكن أن تكتمل هذه الشهادة دون أن أرفع أسمى عبارات الشكر والتقدير إلى المستشفى التخصصي، الذي أتاح لهذه الكفاءات أن تعمل، ومنحها الثقة والمساحة لتقديم رسالتها الطبية والإنسانية.

فالمؤسسات الطبية العظيمة لا تُقاس بمبانيها وأجهزتها وحدها، بل تقاس بالعقول التي تعمل فيها، والأيدي التي تخدم المرضى، والقلوب التي تجعل من صحة الإنسان أولوية لا تقبل المساومة.

إن الثقة التي تمنحها المؤسسة لكوادرها المتميزة هي استثمار في حياة الإنسان، وما رأيته ولمسته من رقي في الخدمة وحسن في التعامل وكفاءة في الرعاية يجعلني أعبّر عن بالغ امتناني لهذا الصرح الطبي ولكل من أسهم في رحلتي العلاجية.

كلمة أخيرة… من قلبٍ عرف معنى النجاة.

اليوم، حين أتذكر المسمار الذي اخترق قدمي، لا أتذكر الألم وحده، بل أتذكر وجوهاً كانت سبباً، بعد فضل الله، في أن أواصل السير على قدمي.

أتذكر طبيباً جعل من العلم أملاً، وممرضة جعلت من الرحمة سلوكاً يومياً، ومستشفى احتضن هذه الكفاءات ووفر لها البيئة المناسبة للعطاء.

ومن أعماق قلبي، أرفع أكف الضراعة إلى الله، سائلاً أن يجزي الدكتور عمر عبدالقادر عبدالرحيم، والممرضة Rachelle Huit، وجميع العاملين في مستشفى الملك فيصل التخصصي خير الجزاء، وأن يبارك في أعمارهم وأعمالهم، ويجعل ما قدموه في موازين حسناتهم.

كما أتضرع إلى الله أن يحفظ قيادتنا الرشيدة، وأن يديم عليها نعمة التوفيق والسداد، وأن يجزيها خيراً على ما توليه من دعم ورعاية للقطاع الصحي، وما تبذله في سبيل صحة الإنسان وكرامته.

لقد كانت حكايتي مع المسمار جرحاً في القدم، لكنها تحولت بفضل الله ثم بجهود أناس أوفياء إلى درس عظيم في الإنسانية.

فشكراً لكل يدٍ عالجت، ولكل قلبٍ رحم، ولكل مؤسسةٍ آمنت بأن حياة الإنسان تستحق كل جهد.

وسيبقى اسم «عبدالله والمسمار» شاهداً على أن بعض الأطباء لا يكتفون بإنقاذ الأقدام من البتر، بل يعيدون إلى أصحابها الثقة بالحياة، وأن بعض الممرضات لا يقدمن الرعاية فحسب، بل يتركن في الذاكرة أثراً لا تمحوه الأيام.

فالطب علم، والتمريض رحمة، والإنسانية هي النور الذي يجمعهما.

Exit mobile version