Site icon صحيفة صدى نيوز إس

«حين ترتدي القسوة ثوب الفضيلة»

 

تبدأ القسوة أحيانًا بكلمة يطمئن صاحبها إلى أنه يدافع بها عن الفضيلة، فلا يسأل نفسه عمّا قد تهدره من كرامة، أو تتركه من جرح. وحين يمنح الإنسان غضبه سلطة الحكم على الآخرين، قد يتحول حديثه عن الأخلاق إلى أذى يمارسه بضمير مستريح.

استوقفتني عبارة تتخذ من اسم مرض وسيلة للتشهير بامرأة، وتختزل حكاية لم تتضح وقائعها في اتهام جاهز، ثم تنتهي بسؤال مستنكر: «وهذه حضارة؟»

وجدتني أتوقف عند السؤال نفسه: أين تبدأ الحضارة في لغتنا؟ وكيف ندافع عن القيم ونحن نستبيح كرامة إنسان لا نعرف عنه إلا رواية اختار غيره أن ينشرها؟

ما أسهل الغضب خلف شاشة. لا نرى ارتجاف اليد التي تقرأ، ولا البيت الذي تبلغه الإشاعة، ولا الوجوه التي ستواجه نظرات الناس وأسئلتهم. نكتب سطرًا ونمضي، وقد يقضي غيرنا سنوات يحاول النجاة من أثره.

في هذا الخطاب، تُساق المرأة إلى قفص الاتهام قبل التحقق من الوقائع. تُنسب إليها النيات، وتُحسم مسؤوليتها، بينما يغيب السؤال عن بقية أطراف الحكاية. ويصبح كونها امرأة بابًا لمضاعفة الإدانة، كأن عليها أن تحمل وحدها وزر رواية لم تُسمع كاملة.

المطالبة بمحاسبة من يتعمد إيذاء الآخرين حق، لكن جسامة الاتهام تستوجب التثبت، وتضاعف مسؤوليتنا عمّا ننشره. لا يتحول الظن إلى دليل بقوة العبارة، ولا تصبح الرواية حقيقة لكثرة تداولها. وقد يتسع جمهور الاتهام حتى لا يبقى لصوت صاحبه متسع للدفاع عن نفسه.

ويؤلمني أن يُستدعى المرض إلى هذه الساحة ليؤدي دور الشتيمة؛ أن يُختزل إنسان في مرضه، ويُتخذ وجعه ذريعة لتحقيره. فهناك، خلف الشاشة، من يعاني المرض نفسه في صمت، ويقرأ العبارة فيجدها موجهة إليه أيضًا، وإن لم يرد اسمه فيها.

كم إنسانًا نجرح حين نظن أننا نهاجم شخصًا واحدًا؟

للكلمة أثر يتجاوز نية قائلها. لذلك، يحتاج الكاتب إلى أن ينظر أبعد من غضبه، وأن يسأل عمّن قد تطالهم عبارته. فالحدة التي تفتقر إلى البصيرة قد تجعل القلم يدًا أخرى في حشد يرمي الحجارة، ثم يسمي ما يفعله دفاعًا عن القيم.

لا أبحث عن عذر للأذى، ولا أطالب بإسقاط المسؤولية عمّن يثبت ارتكابه له. أطالب بأن تُبنى الأحكام على وقائع، وأن تُصان كرامة الإنسان في أثناء مساءلته. فالعدالة تحتاج إلى إنصاف، والإنصاف يقتضي أن نسمع قبل أن نحكم، وأن نميز بين نقد الفعل وإهدار كرامة صاحبه.

ومن يكتب في الشأن العام مسؤول عن لغته بقدر مسؤوليته عن فكرته. يستطيع أن يواجه بوضوح، وأن يعترض بقوة، وأن يطالب بالمحاسبة، من دون أن يحوّل المرض إلى وصمة، أو يجعل الإهانة حجة، أو يستدرج الجمهور إلى محاكمة لا تعرف من الحقيقة إلا طرفًا واحدًا.

على حافة غسق، أضع هذه الكلمات أمام ضميري أولًا. قد يغوينا التصفيق، وقد تمنحنا الإدانة السريعة شعورًا زائفًا بالنقاء، فنغفل عن القسوة التي تسللت إلى أصواتنا. لهذا، نحتاج إلى وقفة صادقة قبل أن نحوّل حياة إنسان إلى مادة للفرجة، وقبل أن ننشر ما قد نعجز لاحقًا عن محو أثره.

فبعض السطور، حين نضغط «نشر»، تغادر الشاشة لتدخل لحم الناس.

✒️بقلم ا/غسق

Exit mobile version