بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
بَيْنَ زِحَامِ الْحَيَاةِ وَتَتَابُعِ تَفَاصِيلِهَا الْيَوْمِيَّةِ، غَالِبًا مَا نَجِدُ أَنْفُسَنَا مُعَلَّقِينَ بَيْنَ شَبَحِ مَاضٍ مَضَى وَبَيْنَ قَلَقِ مُسْتَقْبَلٍ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ. وَنَكَادُ فِي خِضَمِّ هَذَا الشِّتَاتِ أَنْ نَفْقِدَ أَثْمَنَ مَا نَمْلِكُ: اللَّحْظَةَ الْحَاضِرَةَ.
إِنَّ الْحَيَاةَ لَيْسَتْ صَافِيَةً، وَلَا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ؛ فَهِيَ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْمُنَغِّصَاتِ، مَزْرُوعَةٌ بِالْأَشْوَاكِ عَلَى ضِفَافِ أَزْهَارِهَا. طَبِيعِيٌّ أَنْ تَتَسَرَّبَ إِلَى نُفُوسِنَا مَشَاعِرُ الضَّجَرِ، وَأَنْ نَتَذَمَّرَ مِنَ الرَّوْتِينِ الوَظِيفِيِّ، أَوْ مِنْ إِرْهَاقِ الْمَهَامِّ الْيَوْمِيَّةِ، بَلْ وَحَتَّى مِنْ شَطَحَاتِ الْأَبْنَاءِ وَصَخَبِ تَفَاصِيلِهِمْ الَّذِي لا يَنْتَهِي.
هَذِهِ مَشَاعِرُ إِنْسَانِيَّةٌ مَشْرُوعَةٌ، وَلَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى جَفَاءٍ، بَلْ هِيَ انْعِكَاسٌ لِثِقْلِ الْأَعْبَاءِ وَضَغْطِ التَّفَاصِيلِ.
وَلَكِنْ.. تَكْمُنُ الْمَأْسَاةُ الصَّامِتَةُ فِي أَنَّنَا لَا نُدْرِكُ حَقِيقَةَ مَا نَعِيشُهُ إِلَّا حِينَ يُصْبِحُ “أَثَرًا بَعْدَ عَيْنٍ”.
لَوْ أَنَّنَا تَأَمَّلْنَا طَوِيلًا فِي مِرْآةِ الْغَيْبِ، لَسَأَلْنَا أَنْفُسَنَا: مَاذَا لَوْ غَابَتْ هَذِهِ التَّفَاصِيلُ الْمُتْعِبَةُ ذَاتَ يَوْمٍ؟
مَاذَا لَوْ تَلاشَى هَذَا الصَّخَبُ الَّذِي نُزِعِجُ أَنْفُسَنَا بِالشَّكْوَى مِنْهُ؟
حِينَهَا فَقَطْ، سَتَتَغَيَّرُ عَدَسَةُ الرُّؤْيَةِ، وَسَيَتَحَوَّلُ التَّذَمُّرُ الْفَوْرِيُّ إِلَى حَنِينٍ لَا يَرْحَمُ، وَسَيَتَسَلَّلُ الْأَلَمُ إِلَى الصُّدُورِ لِأَنَّنَا أَضَعْنَا فُرْصَةَ تَذَوُّقِ تِلْكَ اللَّحَظَاتِ بِالْحِسِّ الْكَامِلِ حِينَ كَانَتْ حَيَّةً تَنْبِضُ بَيْنَ أَيْدِينَا.
إِنَّ الْكَثِيرَ مِنَّا يُشْبِهُ الْمُسَافِرَ الَّذِي يَقْضِي رِحْلَتَهُ مُتَذَمِّرًا مِنْ قَسْوَةِ الْمَقْعَدِ وَوُعُورَةِ الطَّرِيقِ، حَتَّى إِذَا انْتَهَتِ الرِّحْلَةُ وَوَصَلَ إِلَى مَحَطَّتِهِ الْأَخِيرَةِ، تَمَنَّى لَوْ أَنَّهُ الْتَفَتَ لِيَرَى جَمَالَ الْمَشْهَدِ مِنَ النَّافِذَةِ، وَلَوْ أَنَّهُ اسْتَمْتَعَ بِحَدِيثِ رُفَقَاءِ السَّفَرِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقُوا.
فَالْأَبْنَاءُ فِي صَخَبِهِمْ وَشَقَاوَتِهِمْ هُمْ “رَبِيعُ الْعُمُرِ” الَّذِي يَمْضِي سَرِيعًا، وَتِلْكَ الوَظِيفَةُ الَّتِي نَتَحَامَلُ عَلَى أَعْبَائِهَا هِيَ مَسْرَحُ عَطَائِنَا وَبَصْمَتُنَا، وَتِلْكَ الْمُنَغِّصَاتُ الْيَوْمِيَّةُ هِيَ الْبَوْتَقَةُ الَّتِي تَصْقُلُ أَرْوَاحَنَا وَتَمْنَحُ الْأَيَّامَ طَعْمَهَا الْوَاقِعِيَّ.
إِنَّ الْوَعْيَ بِالْحَاضِرِ لَيْسَ تَرَفًا فِكْرِيًّا، بَلْ هُوَ طَوْقُ نَجَاةٍ. وَحِينَ نُدْرِكُ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَا تَدُومُ، فَإِنَّنَا نَتَعَلَّمُ كَيْفَ نُعَانِقُ تَفَاصِيلَنَا الصَّغِيرَةَ بِنِصْفِ رِضًا وَنِصْفِ امْتِنَانٍ..
إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ إِلَى انْقِضَاءٍ؛ فَهَذَا الْعَمَلُ مَهْمَا طَالَ زَمَنُهُ سَيَنْتَهِي يَوْمًا وَتُطْوَى صَفَحَاتُهُ، وَهَؤُلَاءِ الْأَطْفَالُ سَيَكْبُرُونَ سَرِيعًا وَيُغَادِرُونَ العُشَّ، وَهَذَا الضَّجِيجُ كُلُّهُ سَيَتَوَقَّفُ تَمَامًا. عِنْدَ ذَلِكَ.. كَيْفَ سَيَكُونُ الْحَالُ؟
هَلْ سَنَسْتَمْتِعُ بِالْهُدُوءِ الَّذِي تَشَهَّيْنَاهُ طَوِيلًا، أَمْ سَيَكُونُ هُدُوءًا ثَقِيلًا مُفْعَمًا بِالْحَسْرَةِ عَلَى ضَجِيجٍ كَانَ يَعِجُّ بِالْحَيَاةِ وَلَمْ نُعْطِهِ حَقَّهُ مِنَ الْفَرَحِ؟
فَلْنَعِشِ اللَّحْظَةَ بِكُلِّ مَا فِيهَا؛ فَالْحَنِينُ الْقَادِمُ سَيَكُونُ أَرْحَمَ بكثير، إِنْ نَحْنُ مَنَحْنَا الْحَاضِرَ حَقَّهُ الْكَامِلَ مِنَ الْوَعْيِ وَالْقَبُولِ، لِئَلَّا يَأْتِيَ يَوْمٌ نَقِفُ فِيهِ عَلَى أَطْلَالِ الذَّاكِرَةِ نُقَلِّبُ صَفَحَاتِ الْأَمْسِ، وَنَبْكِي عَلَى سَكَنٍ صَارَ قَفْرًا بَعْدَ أَنْ كَانَ أُنْسًا يَنْبِضُ بِالْحَيَاةِ.
___________________
د. خَلَف بْنُ أَحْمَدَ الزَّهْرَانِيُّ
“كَاتِبٌ” – عُضْوُ جَمْعِيَّةِ الْمُنْتِجِينَ وَالْمُوَزِّعِينَ السُّعُودِيِّينَ التَّابِعَةِ لِوِزَارَةِ الْإِعْلَامِ

