مقال اسبوعي من سلسلة
<< على حافة غسق >>
ظلّت عناقيد العنب صامتة حتى أتى الخمّار فأُقيمت صلاته
يتعذّر على الخلّ أن يفهم صلاة العنب
أحبّ أن أتوقّف عند العنب قبل مجيء الخمّار. كان صامتًا طوال الصيف
ومع ذلك كانت كل حبّة تنضج في موعدها
من يقف عند طرف الكرم لن يسمع شيئًا
ولو عاد غدًا لوجد أن الشمس التي حسبها عابرة تركت لونها على القشرة
كم من التغيّر يجري أمام أعيننا ونحن ننتظر له صوتًا؟
تقول امرأة اعتادت أن تبقى على المائدة حتى ينتهي الجميع من الكلام إنها ستغادر قبل العشاء
تسحب كرسيها بهدوء
فيلتفت إليها من لم ينتبه يومًا إلى سكوتها ويسألها بحدّة «من غيّركِ؟» يسهل عليه أن يتخيّل يدًا غريبة عبثت بها. لو تذكّر كم مرّة استأنفت كلامها بعد أن قاطعها
وكم مرّة تخلّت عن إكماله، لعرف بعض الجواب
هكذا تأتي التهمة أحيانًا في صيغة سؤال
يطلب السائل تفسيرًا لتحوّلك
وقد اختار سلفًا الجزء الذي سيصدّقه منه
يمكنك أن تحكي له عن السنين كلّها
وسيظلّ يتذكّر صوت الكرسي وهو يُسحب
في تلك اللحظة بالذات بلغه خبرٌ كنتِ تعيشينه منذ زمن
وللخلّ في هذه الصورة ما يستحقّ أن يُرى أيضًا
قد تقول امرأة عن أخرى غادرت
«كنّا نصبر»، وفي صوتها شيء أقرب إلى الحسرة منه إلى التوبيخ
لعلّها حين رأت تلك المرأة تنهض تذكّرت مساءً كانت تستطيع فيه أن تنهض هي أيضًا
أستطيع أن أرفق بتلك الحسرة وأن أرفض
في الوقت نفسه أن يصير صبرها القديم دينًا في عنق امرأة أخرى
يبقى الخمّار أحبّ صورته ما دام يعرف أن العنب بدأ يتغيّر قبل أن تمتدّ إليه يده وفي حياتنا من يصغي إلى جملة ظللنا نبتلعها فنسمعها نحن للمرة الأولى كاملة له فضل الإصغاء، وتبقى لنا السنوات التي قضيناها نتعلّم كيف نقولها
وحين يسحب أحدٌ كرسيّه عن مائدتي
أرجو أن يتّسع لي الصمت لحظةً قبل
أسأله عمّن غيّره
ربّما كانت الجملة التي أبحث عنها قد قيلت على هذه المائدة نفسها
وكنتُ يومها مشغولة بإكمال جملتي
غسق✒️

