الرئيسية محلية مجلة «الفيصل» تحتفي بيوبيلها الذهبي: خمسون عامًا من صناعة الوعي الثقافي

مجلة «الفيصل» تحتفي بيوبيلها الذهبي: خمسون عامًا من صناعة الوعي الثقافي

17
0

عبدالله الينبعاوي _متابعات_الرياض

جاء العدد الجديد من مجلة الفيصل التي تصدر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية، لشهري جمادى الآخرة – رجب 1447هـ (يناير – فبراير 2026م)، في سياق احتفائي خاص بمرور خمسين عامًا على تأسيس المجلة منذ انطلاقتها الأولى عام 1397هـ (1977م)، وهي مناسبة تستعيد فيها الفيصل مسيرتها بوصفها أحد أبرز المشروعات الثقافية العربية التي حافظت على حضورها واستمراريتها عبر عقود من التحولات الفكرية والإعلامية.

ويأتي هذا العدد ليؤكد أن الاحتفاء باليوبيل الذهبي لا يقتصر على استعادة الذاكرة أو توثيق الماضي، بل يتجاوز ذلك إلى قراءة واعية لمسار المجلة، ولموقعها في المشهد الثقافي العربي، ولدورها في مرافقة الأسئلة الكبرى التي شغلت الفكر العربي المعاصر، منذ سبعينيات القرن الماضي حتى اليوم، مع التزام واضح بخط تحريري رصين يجمع بين العمق المعرفي والانفتاح النقدي.

ويعكس محتوى العدد اهتمامًا مركزيًّا بالقضايا الفكرية والثقافية التي تتصدر النقاش العام في العالم العربي، حيث تتناول المواد المنشورة أسئلة الحرية وحدود الإبداع، وتحولات الفكر الفلسفي، وإشكاليات العلاقة بين التراث والحداثة، إلى جانب قضايا الهوية واللغة، والمرأة، والعدالة، وأدوار الثقافة في زمن التحولات المتسارعة.

وتُقدَّم هذه القضايا ضمن مقاربات تحليلية متأنية، تبتعد من الطرح التقريري أو الأحكام الجاهزة، وتسعى إلى تفكيك الظواهر الثقافية والاجتماعية في سياقاتها التاريخية والفكرية، وربطها بالأسئلة الراهنة التي يفرضها الواقع العربي والعالمي.

ويبرز في العدد اهتمام واضح بمساءلة موقع المثقف اليوم، ودور الفكر النقدي في مواجهة التبسيط والاستقطاب، وحدود الخطاب الثقافي في زمن هيمنة الإعلام الرقمي وتسارع تدفق المعرفة.

وتتناول بعض المواد مستقبل الإبداع في ظل التحولات التقنية، وتأثير الوسائط الجديدة في أنماط التلقي، وفي العلاقة بين الكاتب والقارئ، وبين الثقافة والنخبة والجمهور.

ويضم العدد كذلك قراءات ثقافية معمقة لتجارب فكرية وأدبية عربية وعالمية، إلى جانب حوارات مع مفكرين وكتّاب، ومواد تتناول الفنون والمسرح والسينما، ونصوصًا إبداعية، وترجمات، وبورتريهات ثقافية، بما يعكس اتساع الأفق المعرفي الذي حرصت الفيصل على ترسيخه بوصفه سمةً أساسية من سمات مشروعها الثقافي.

ويأتي هذا التنوع متوافقًا مع رؤية تحريرية ترى في المجلة فضاءً جامعًا للاختلاف الخلّاق، ومنصة للحوار بين الاتجاهات الفكرية، ومجالًا لتقاطع التجارب والرؤى، من دون التفريط في المعايير المعرفية واللغوية التي ميّزت المجلة منذ تأسيسها.

وتحضر مناسبة اليوبيل الذهبي في مواد العدد بوصفها لحظة تأمل في التجربة الثقافية للمجلة، حيث تنقل الرؤية التحريرية تأكيدًا أن الفيصل لم تكن يومًا مشروعًا عابرًا أو استجابة ظرفية، بل منبرًا ثقافيًّا تأسس على الإيمان بقيمة الكلمة، ومسؤولية الخطاب، واحترام عقل القارئ.

وتشير هذه الرؤية إلى أن المجلة استطاعت الحفاظ على مكانتها، على الرغم مما شهده المشهد الإعلامي من تحولات جذرية وهيمنة المنصات الرقمية، عبر تطوير أدواتها، وإتاحة نسختها الإلكترونية، وفتح أرشيفها الكامل ليكون مرجعًا مهمًّا للباحثين والمهتمين بتاريخ الصحافة الثقافية العربية.

ويقدم العدد مختارات من أعداد سابقة صدرت على امتداد العقود الماضية، في محاولة واعية لتمكين القارئ من تتبّع مراحل تطور المجلة، ورصد تحولات خطابها الثقافي والفكري، بوصف ذلك جزءًا من قراءة الحاضر وفهم مساراته، لا مجرد استدعاء للماضي.

وبذلك يقدّم العدد الجديد من مجلة الفيصل احتفاءً ثقافيًّا ناضجًا باليوبيل الذهبي، احتفاءً لا يكتفي باستعادة الذاكرة أو تعداد الإنجازات، بل يؤكد استمرار الرسالة الثقافية للمجلة، ويجدد التزامها بدورها بوصفها منبرًا للتجارب الفكرية الجادّة، وفضاءً للحوار المسؤول، وصوتًا ثقافيًّا رصينًا في زمن تتسارع فيه التحولات وتتزاحم فيه الخطابات.