الفكرة المستهلكة: قطبية الآفاق*

 

للكاتبة ؛ مـيّ بنت فلاح الحارثي

في عالم مليء بالأفكار المتجددة والمستهلكة في ذات الوقت، يتبادر إلى ذهني سؤال قد يكون عميقًا: كيف لفكرة مستهلكة أن تكون قطبية الآفاق؟ كيف يمكن لفكرة قد تكررت مرارًا وتكرارًا أن تفتح لنا آفاقًا جديدة، أن ترسم العوالم بين السطور، وأن تبقى كما هي في مكنونها القوي رغم مرور الزمن؟ الفكرة المستهلكة، على الرغم من تواليها، تظل قادرة على إعادة تشكيل نفسها وتجديد معانيها. قد لا يكون الجديد دائمًا هو ما يبدد القديم، بل قد تكون القدرة على تجديد القديم وتجديد النظر فيه هي ما يمنحها الحياة.

هذه الأفكار التي يبدو أن محيطنا قد امتلأ بها، كالأقلام التي تتشابه بشكل لا يسمح لها بالتحرر من قوالب الزمان، هي التي تتطلب منا أن نكسرها ونعيد صياغتها. نرى اليوم في كل زاوية من زوايا الفكر والثقافة محاولات فنية وأدبية تخرج عن نطاق المألوف، ولكنها تظل عالقة في نفس القالب القديم. هل نحن بصنع منتجات ثقافية مبتكرة؟ هل نحن مجرد فنانون رسامون على محمل البساطة، نحمل الألوان، نلون الريشة، ونمزج الأفكار في خيالات الشعر والكلمات؟ وهل يحق لنا أن نعتبر أنفسنا قادرين على تجديد الأفكار القديمة دون أن نقع في فخ التقليد؟

قد تكون الإجابة على هذا السؤال هي في تحويل هذه الأفكار المستهلكة إلى شيء جديد، شيء لم نكن نتوقعه. لأننا لا نخلق أشياء جديدة فقط عندما نأتي بفكرة لم تطرأ على أذهاننا من قبل، بل حين نكتشف الأبعاد الخفية في تلك الأفكار المستهلكة وننقلها إلى مساحة أوسع من الفهم. في الفن، كما في الأدب، لا تكمن الموهبة في اختراع شيء مفقود، بل في إعادة ترتيب الأشياء التي كانت موجودة سابقًا وإضفاء اللمسة الإبداعية عليها، بحيث تثير الاهتمام وتعيد تفعيلها بطرق مبتكرة.

الفكرة المستهلكة يمكن أن تصبح قطبية الآفاق عندما نبدأ في النظر إليها بعيون جديدة، وكأنها رحلة نبدأها من نقطة زمنية معينة لنصل إلى آفاق غير محدودة. علينا أن نتحدى ما هو مألوف، أن نقف أمام الأفكار القديمة ونطرح عليها أسئلة جديدة. قد نحتاج إلى أن نكون رسامين لأفكارنا، نعيد مزجها وتلوينها لنرى تفاصيل لم نرها من قبل، ونخلق مشهدًا فنيًا من الكلمة والريشة.

في النهاية، فإن عالمنا الثقافي والفني ليس مكانًا ثابتًا للثوابت، بل هو مجال مفتوح للإبداع والابتكار. ربما تأتي الفكرة المستهلكة في طيات الزمن، لكن قدرتنا على النظر إليها من زاوية جديدة قد يمنحها حياة جديدة، ويجعلها قطبية الآفاق التي نبحث عنها في عالم الفكر والفن.

صدى نيوز اس 4

Related Posts

بندر جازان.. الميناء التاريخي الساحر الذي صهر لغات الشرق في لساننا الدارج

بقلم: أحمد علي بكري لم تكن سواحل جنوب الجزيرة العربية يوماً مجرد امتدادٍ رملي يلامس البحر، ولا مجرد محطات تتوقف عندها السفن لتفريغ البضائع وتحميل المؤن، بل كانت عبر قرون طويلة شرايين نابضة بالحياة، وممرات كبرى عبرت من خلالها الحضارات واللغات والعادات والأساطير. وفي قلب هذا الامتداد البحري العريق، برز “بندر جازان” بوصفه واحداً من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، ليس فقط لدوره التجاري،…

اللجوء

  بقلم / دكتورة لبني يونس اللجوء في جوهره عقد أخلاقي غير مكتوب بين الضيف والمضيف ، فعندما تفتح دولة أبوابها، وتوفر ملاذاً آمناً وخدمات إنسانية، فإنها تتوقع في المقابل التزاماً بقوانينها واحتراماً لسلامة مواطنيها. وارضها ومواردها ، لا أن يتحول هذا الملاذ إلى ساحة للإعتداء والترويع هو ليس فقط خيانة لهذا العقد، بل هو إنكار لأدنى درجات “رد الجميل”. الإنخراط في المجتمع والعيش بسلام هو…

لقد فاتك ذلك

صحيفة صدى نيوز إس تتجول في متحف غار ثور وتزور سوق القوافل

صحيفة صدى نيوز إس تتجول في متحف غار ثور وتزور سوق القوافل

ضمن برنامج الشريك الأدبي : البوق يستعرض عن حياة النمر العربي وعلاقته بالموروث الأدبي في جمعية أدبي الطائف 

ضمن برنامج الشريك الأدبي :  البوق يستعرض عن حياة النمر العربي وعلاقته بالموروث الأدبي في جمعية أدبي الطائف 

الشيخ الدكتور حسين آل الشيخ يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي

الشيخ الدكتور حسين آل الشيخ يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد النبوي

الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد الحرام

الشيخ الدكتور فيصل بن جميل غزاوي يؤم المصلين لصلاة الجمعة بالمسجد الحرام

بندر جازان.. الميناء التاريخي الساحر الذي صهر لغات الشرق في لساننا الدارج

بندر جازان.. الميناء التاريخي الساحر الذي صهر لغات الشرق في لساننا الدارج

لبنان.. تصاعد الاعتداءات الصهيونية على جنوبي البلاد

لبنان.. تصاعد الاعتداءات الصهيونية على جنوبي البلاد

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode