قراءة وتأمل في مقال أعاد لي ذكريات الطفولة وأيقظ في داخلي حنينًا لحياة كانت تُصنع على “السُفرة”

 

بقلم: أحمد علي بكري

قرأت هذا المقال الجميل الذي يتناول ظاهرة اختفاء السُفرة العائلية تدريجيًا من بيوتنا، وتأثرت كثيرًا بما حمله من مشاعر صادقة وتحليل دقيق لتحول نمط الحياة الأسرية في مجتمعاتنا. أعجبني الطرح لما فيه من حنين أصيل وحسٍّ تربوي عميق، وشعرت بأن عليّ أن أعلّق عليه بكلماتي المتواضعة، مستذكرًا كيف كانت السُفرة أكثر من مجرد مكان لتناول الطعام… كانت مائدة يومية للدفء، والانضباط، والتربية، والمشاركة.

نعم، السُفرة في طريقها للانقراض، ليس بسبب الفقر أو الحرب، بل بسبب تآكل العادات الجميلة تحت وقع الميديا، والانعزال، و”موضة” الحياة السريعة التي أبعدتنا عن بعضنا البعض ونحن تحت سقف واحد.

عبارات مثل:

“أفرشوا السفرة… الأكل على السفرة… شيلوا السفرة”

كانت تشكّل أناشيد يومية في بيوتنا، وعلامات زمن جميل لا ينسى. لم تكن مجرد أوامر، بل كانت نداءات للُّمّة، لقلوب تتقابل، لأرواح تتلاقى وتتنفس دفء الأسرة.

اليوم، تجد العشاء قد تبخر لأجل “الريجيم”، والفطور انسحب بسبب “الصيام المتقطع”، والغداء توزع في صحون مفردة يسخنها كل فرد حين يشاء ويأكل بصمت… وغابت البركة.

كنت أسترجع كيف كانت السُفرة مجلسًا عائليًا تُروى فيه القصص، وتُعلَّم فيه الأخلاق، وتُعقد فيه جلسات المحاكمة الطفولية، حيث يكون الوالد القاضي، والأم الادعاء، والأشقاء شهودًا، والحكم غالبًا “موقوف التنفيذ” ما لم يتكرر الجرم!

غابت تلك المحكمة الجميلة، وغاب رموزها… الوالدان، بكل ما حملاه من حنان وعدل وهيبة. واليوم، تفرّق الإخوة، وباتت السُفرة طاولة في زاوية المطبخ، أو في أحسن الأحوال طاولة يُستخدم نصفها للتابلت والهواتف، والنصف الآخر للأكل البارد.

إن الحفاظ على السُفرة ليس ترفًا، بل هو حماية لمفهوم العائلة. فهي ليست مجرد “مفرش وطعام”، بل هي لحظة جمع، وركن بناء، وشعور بالانتماء والدفء.

السُفرة حوار.

السُفرة تربية.

السُفرة ضحك، دعاء، ومكان لبداية كل نجاح.

فإن كانت العائلة خلية المجتمع، فالسُفرة هي قلبها النابض.

لنُعيد للسُفرة مكانتها، فقد تكون طوق النجاة في زمن تتسارع فيه خطوات التفكك، وتذبل فيه الروابط دون أن نشعر.

سلمي

Related Posts

خلقنا لنا من انفسنا وطن  

دكتورة لبني يونس نحنُ مدينون لكل الذين مروا من خلالنا ، لكل الذين جعلونا ندرك أنَّ “الوطن” ليس جغرافية ولا حدود ولا أرضى ، نتقاسمها مع أحد ، وليس وجهاً نُحدق فيه كل صباح.. الوطن هو تلك المسافة الآمنة التي نبنيها داخلنا ، حيث لا يمكن لأحدٍ أن يرحل عنا.. لأننا ببساطة ، أصبحنا نحنُ السكَن والمَسكن ، فسلامٌ على مَن سألناهم البقاء، فمنحونا ما هو…

اللهجة الجازانية: بنيةٌ دلالية عربية حيّة بين الزمن والإبانة

  بقلم: أحمد علي بكري تأتي هذه الورقة لتطرح رؤية مكملة لما يُناقش حول امتداد الشعر الشعبي من جذوره الفصيحة، فالأمر لا يتوقف عند الوزن والقافية، بل يمتد لجوهر اللغة. إن اللهجة الجازانية في نظري ليست مجرد تراكم لمفردات محلية دارجة، بل هي نظام دلالي عربي موغل في القدم، لا يزال ينبض بالحياة في خطابنا اليومي. يتجلى هذا النظام بوضوح في مفردات الزمن، وفي تحول مفهوم…

لقد فاتك ذلك

“افهموني 2” بالطائف يختتم فعالياته وسط إشادات رسمية وشعبية واسعة.. والصحة والتنمية والجامعة: تمكين الأسرة محور رئيسي في رحلة التأهيل

“افهموني 2” بالطائف يختتم فعالياته وسط إشادات رسمية وشعبية واسعة.. والصحة والتنمية والجامعة: تمكين الأسرة محور رئيسي في رحلة التأهيل

بدعم الهيئة العامة للترفيه.. جمعية زواج تحتفي بـ80 شابًا من المقبلين على الزواج في الباحة

بدعم الهيئة العامة للترفيه.. جمعية زواج تحتفي بـ80 شابًا من المقبلين على الزواج في الباحة

مصر تستضيف ناشئي اليابان في معسكر ودي بالقاهرة

مصر تستضيف ناشئي اليابان في معسكر ودي بالقاهرة

الطائف تُشعل مشهد العطاء: تحالف نوعي يقوده “الزهراني” ويجمع الصحة والتعليم لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة

الطائف تُشعل مشهد العطاء: تحالف نوعي يقوده “الزهراني” ويجمع الصحة والتعليم لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة

أمير منطقة الباحة يستقبل نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية

أمير منطقة الباحة يستقبل نائب وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية

خلقنا لنا من انفسنا وطن  

خلقنا لنا من انفسنا وطن  

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode