نضج متأخر

 

الكاتبة /وجنات صالح ولي.

هل مرّ بك ذلك الشعور المؤلم أن تفهم كل شيء، ولكن بعد فوات الأوان؟ أن تجلس مع نفسك فجأة، وتدرك أنك لو كنت بهذا الوعي من قبل، لاختلفت قراراتك، واختلفت نهاياتك، وربما اختلفت أنت بالكامل… لكن الحقيقة القاسية أن هذا “الوعي” لم يكن متاحًا حينها، لأنك ببساطة لم تكن قد نضجت بعد.

نحن لا نخطئ لأننا نحب الخطأ، بل لأننا نختار بعقل تلك المرحلة، بقلبها، باندفاعها، وبنقص خبرتها، ثم نعود لاحقًا لنحاكم أنفسنا بعقلٍ جديد، أكثر هدوءًا، وأكثر فهمًا، وكأننا شخصان مختلفان تمامًا شخص عاش التجربة، وشخص جاء بعده ليحكم عليها بقسوة.

المفارقة المؤلمة أن النضج لا يأتي لينقذ ما مضى، بل ليكشفه فقط يضع أمامك كل المواقف التي ظننت أنك تجاوزتها، ويعيد تفسيرها بطريقة أكثر وضوحًا، وأحيانًا أكثر إيلامًا، فتدرك أنك لم تكن ضعيفًا كما ظننت، ولا قويًا كما ادعيت، بل كنت إنسانًا يتعلم، ويتخبط، ويحاول أن ينجو بما يملك من وعي في ذلك الوقت.

كم مرة قلت: “لو عاد بي الزمن…”؟ لكن الزمن لا يعود، لأنه يعرف أننا لو عدنا بنفس العقل القديم سنكرر كل شيء، ولو عدنا بالعقل الجديد لن نكون نحن أصلًا… وهنا تكمن الحقيقة التي لا نحبها: كل ما حدث كان سيحدث، لأنك كنت أنت، في تلك المرحلة، بذلك الفهم، وتلك القدرة المحدودة على الرؤية.

النضج ليس هدية كما نظن، بل هو أشبه بفاتورة متأخرة… تدفعها من راحة قلبك، من ذكرياتك، ومن شعورك بأنك كنت تستطيع أن تفعل أفضل… لكنه أيضًا، رغم قسوته، الشيء الوحيد الذي يمنعك من تكرار الألم نفسه مرة أخرى.

ربما لم نتأخر… وربما كل شيء حدث في وقته القاسي لكنه الصحيح، لأن بعض الدروس لا تُفهم بالكلام، بل تُفهم عندما نخسر، عندما نصمت، عندما نُجبر على مواجهة أنفسنا دون تبرير.

وفي النهاية… لا تكره نسختك القديمة، فهي لم تكن غبية ولا ساذجة، كانت فقط في بداية الطريق… وأنت اليوم، بكل هذا الفهم، ما أنت إلا نتيجة كل ما ظننت يومًا أنه كان خطأ.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

فواجع الحوادث… أحزانٌ لا تُنسى ورسائل لا بد أن تُفهم

بقلم الأستاذ : صالح سعد الزهراني تأتي فواجع الحوادث المرورية في لحظات خاطفة فتخطف أرواحًا عزيزة وتترك خلفها قلوبًا موجوعة وبيوتًا غاب عنها الفرح وأهلًا ينتظرون عودة أحبتهم فلا يعودون. وما أقسى أن يتحول السفر إلى فاجعة واللقاء المنتظر إلى مجلس عزاء والضحكات إلى ذكريات يختلط بها الحنين والدمع. إن فقدان الشباب في الحوادث ليس خبرًا عابرًا بل ألمٌ يسكن قلوب أسرهم وأصدقائهم ومجتمعهم سنوات طويلة.…

قرآءت مثقفون في الأدب العالمي 

ا، محمد باجعفر سأل أحد الطلاب اينشتاين في محاضرة عن معنى المنطق، فأجابه: حسنا، سأشرح لك معنى المنطق في مثال: تخيل أثنين من عمال الصيانة فوق سطح أحد المنازل، وقد سقطا في المدخنة، فخرجا في بهو البيت ولكن أحدهما متسخ الوجه بالهباب والآخر وجهه نظيف تماما، فمن منهما سيبادر بغسيل وجهه؟ رد الطالب: المنطقي أن صاحب الوجه المتسخ هو من سيبادر بغسيل وجهه، أما الآخر فلن…

لقد فاتك ذلك

فواجع الحوادث… أحزانٌ لا تُنسى ورسائل لا بد أن تُفهم

فواجع الحوادث… أحزانٌ لا تُنسى ورسائل لا بد أن تُفهم

محراب يكرم الكشاف سمير باطوق تقديراً لعطائه التربوي والمجتمعي والكشفي 

محراب يكرم الكشاف سمير باطوق تقديراً لعطائه التربوي والمجتمعي والكشفي 

جمعية “ثقف” ومستشفى السلامة يدشنان مبادرة “تبرعك بدمك.. عطاء وأثر”

جمعية “ثقف” ومستشفى السلامة يدشنان مبادرة “تبرعك بدمك.. عطاء وأثر”

زاوية أبرار القانونية في نادي ملتقى المبدعين الثقافي تسلط الضوء على توثيق الديون وحفظ الحقوق

زاوية أبرار القانونية في نادي ملتقى المبدعين الثقافي تسلط الضوء على توثيق الديون وحفظ الحقوق

صوت جازان النابض بالحياة: نموذج الإعلامية المجتمعية زينب علي حمدي

صوت جازان النابض بالحياة: نموذج الإعلامية المجتمعية زينب علي حمدي

مصر : الإفراج عن البحارة المصريين المحتجزين على السفينة “ريم الخليج” في إيران

مصر : الإفراج عن البحارة المصريين المحتجزين على السفينة “ريم الخليج” في إيران

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode