حين تتحول الحياة إلى رسائل لا تُرى بعين واحدة

 

بقلم: إيمان المغربي

لا يوجد في حياتك شيء اسمه صدفة حتى ما ظننته عابر كان رسالة لم تنتبه لها بعد وكل ما يحدث لك يأتي بتقدير من الله سبحانه وتعالى بحكمة قد تدركها الآن أو يكشفها لك الزمن حين يهدأ قلبك وتتسع بصيرتك وترى الأمور كما أرادها الله لا كما أردتها أنت

كل يوم جديد ليس تكرار عابر بل امتداد لحكاية تُكتب لك بعناية تحمل بين تفاصيلها ما يوقظك وما يختبرك وما يعيد تشكيلك من الداخل دون أن تشعر في لحظته فالحياة لا تمضي كما تبدو على السطح بل تسير في عمقها وفق ترتيب دقيق لا يخطئ طريقه إليك

ما يحدث لك ليس مجرد مواقف تتعاقب بل إشارات متتابعة تضعك أمام نفسك تارة لتفهمها وتارة لتعيد ترتيبها وتارة لتتجاوز ما ظننت يوما أنك لا تستطيع تجاوزه فبعض الأحداث لا تأتي لتسعدك فقط بل لتربيك وتنضجك وتعيدك إلى حقيقتك التي ابتعدت عنها

ولأن الفهم لا يأتي دائماً في وقته فإن الكثير مما تمر به يظل غامض في لحظته ثقيل على قلبك لكنه في حقيقته يحمل رحمة خفية لا تراها إلا بعد أن تعبر المرحلة وتلتفت خلفك لتدرك أن ما أوجعك يوماً كان يهيئك لشيء أعظم

فلا تنظر إلى حياتك بعين مستعجلة تبحث عن إجابات فورية بل انظر إليها بعين مطمئنة تثق أن كل تأخير وراءه حكمة وكل منع وراءه حماية وكل طريق أُغلق في وجهك كان ليصرفك إلى ما هو أليق بك وأقرب لروحك وإن لم تفهم ذلك حينها

ستكتشف مع الوقت أن بعض التكرار في حياتك ليس عبث بل لفت انتباه وأن بعض المواقف تعود لأنها تحمل رسالة لم تُفهم بعد وأن بعض الأشخاص يمرون بك ليكونوا مرآة ترى فيها ما لم تكن تراه في نفسك

وكما تأتيك الرسائل من الخارج فإن داخلك أيضًا يتحدث إليك بصمت في شعور يضيق بك ليوقظك أو راحة تسكنك لتطمئنك أو قلق يدفعك لتعيد التفكير في طريق تمضي فيه دون وعي فكل إحساس في داخلك ليس عبثا ًبل لغة تحتاج أن تُفهم لا أن تُهمل

وهنا لا يكون المطلوب أن تسيطر على كل شيء أو تفهم كل شيء بل أن تتعلم التسليم الواعي أن تثق أن الله سبحانه وتعالى يدبر لك ما لا تدركه وأن ما يُصرف عنك ليس نقصاً في حظك بل زيادة في عنايته بك

فليس كل ما تتمناه خيرا ًلك وليس كل ما تفقده خسارة فكم من أمر سعيت إليه ولو وصلت إليه لتعبت وكم من شيء حُرمته وكان في حرمانك منه نجاتك دون أن تشعر

ومع كل موقف تمر به تتشكل داخلك طبقة جديدة من الفهم إما أن تثقلك أو ترفعك وإما أن تربكك أو تنضجك وهذا الفرق لا يصنعه الحدث بل طريقة نظرك إليه

تعلم أن تختار ما تسمح له أن يبقى داخلك وما تتركه يمضي دون أن يترك أثر يؤذيك فالحياة لا تطلب منك أن تحمل كل ما يحدث بل أن تعي ما يستحق أن يبقى وما يجب أن يُترك بسلام

ومع ازدياد يقينك بالله يهدأ داخلك أكثر لأنك تدرك أن الأمور لا تُدار بعشوائية ولا تُترك للصدف بل تسير وفق رحمة خفية تحيط بك حتى في أصعب لحظاتك

فالهدوء الحقيقي لا يعني أن حياتك خالية من الابتلاء بل يعني أن قلبك ثابت رغم كل ما يحدث وأنك لم تعد تبحث عن الطمأنينة في الظروف بل وجدتها في قربك من الله جل في علاه.

اجعل يومك مساحة للوعي لا مجرد عبور تأمل ما يحدث لك دون قسوة على نفسك واسأل لا لتقلق بل لتفهم واقترب من الله لا لأنك ضائع فقط بل لأنك تريد أن تبقى مطمئناً مهما تغيرت الطرق

وفي النهاية ليست قيمة الحياة في وضوحها لك بل في يقينك بمن يدبرها فكلما ازداد يقينك قلّ قلقك وكلما سلّمت أمرك لله خفّ حملك حتى وإن بقيت الأسئلة دون إجابة

فما دمت مع الله لن تتيه مهما تعقدت الطرق ولن تخسر مهما تغيّرت المواقف ولن تنكسر مهما تأخر الفهم لأنك تدرك أن كل ما يحدث لك ليس ضدك بل لأجلك حتى وإن لم تفهم ذلك الآن

وحين تنظر إلى حياتك بعد كل ما مررت به ستدرك أن أعظم الرسائل لم تكن في الأحداث نفسها بل في الإنسان الذي أصبحت عليه بسببها

صدى نيوز اس 1

Related Posts

​في ممرات الحياة وعقباتها الموجعة.. نُشكل أرواحنا من جديد

  ا/محمد باجعفر جازان/صدى نيوز إس ​تسير بنا الحياة بين ردهات الطرق المختلفة؛ فمنها السهل البسيط الذي يُلقي بظلاله الهادئة على الروح، ومنها السهل الممتنع الذي يغري بالوصول ولكنه يتمنع، وصولاً إلى الدروب الشاقة، والمسالك الأكثر وعورة، حيث تتزاحم المنعطفات الحادة والمنحدرات الشديدة الخطورة. ومع هذا كله، يستمر الإنسان في السير؛ يخطو بخطى تثقلها التجارب وتضيئها البصيرة، يخاطر بروحه بين ناجٍ يعبر بر الأمان، وبين من…

وطن المجد السعودي: قيادة ترعى، ومواطن يخلص، وتنمية تبني المستقبل

  بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان تتجلى أعظم صور التلاحم بين القيادة والشعب في تلك القرارات الحكيمة والتوجيهات الملكية الكريمة التي تلامس نبض المواطن، وتراعي مسؤوليته المعيشية، وتؤكد يوماً بعد يوم أن “الإنسان السعودي” هو الغاية الأولى والوسيلة الأهم في مسيرة بناء الوطن. ويأتي الدعم الملكي السخي — بناءً على ما عرضه صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ولي…

لقد فاتك ذلك

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي ينظم ورشة بعنوان “اللعب والدراما

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي ينظم ورشة بعنوان “اللعب والدراما

​في ممرات الحياة وعقباتها الموجعة.. نُشكل أرواحنا من جديد

​في ممرات الحياة وعقباتها الموجعة.. نُشكل أرواحنا من جديد

السيف: تحويل توصيات مؤتمرات الإعاقة إلى برامج تنفيذية 

السيف: تحويل توصيات مؤتمرات الإعاقة إلى برامج تنفيذية 

على أعتاب الطواف.. الحجر الأسود يجمع قلوب المسلمين على محبة البيت الحرام

على أعتاب الطواف.. الحجر الأسود يجمع قلوب المسلمين على محبة البيت الحرام

سفير غينيا لدى المملكة يلتقي السفير السعودي في كوناكري ويبحثان التعاون الثنائي وتحضيرات الحج

سفير غينيا لدى المملكة يلتقي السفير السعودي في كوناكري ويبحثان التعاون الثنائي وتحضيرات الحج

وطن المجد السعودي: قيادة ترعى، ومواطن يخلص، وتنمية تبني المستقبل

وطن المجد السعودي: قيادة ترعى، ومواطن يخلص، وتنمية تبني المستقبل

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode