بقلم الدكتورة/
نسرين الطويرقي: مكة المكرمة:-
تردد في المجالس التربوية مقولة مؤلمة: “عيالنا انزلقوا لأننا ربيناهم على التقليد لا على الإيمان”. وهي مقولة فيها جزء من الحقيقة، لكنها تُستخدم أحياناً كشماعة نعلّق عليها كل أسباب الانحراف، لنهرب من مواجهة الأسباب الحقيقية المركبة.
إن اختزال انحراف الجيل الجديد في “ضعف الإيمان” أو “التربية على التقليد” تبسيط مخل للواقع. فلو كان التقليد وحده سبباً للانحراف، لانحرف كل أبناء الجيل السابق. ولو كان نقص الإيمان هو العلة الوحيدة، لما عُصي الله في خير القرون.
الحقيقة أن “الانفتاح” لم يصنع الانحراف من العدم، بل كشف الخلل التربوي الذي كان مستوراً. الانفتاح مثل الضوء الذي يدخل الغرفة؛ فإما أن يكشف نظافتها، أو يفضح الغبار الذي كان مخفياً بالظلام. فلماذا انحرف بعض أبنائنا بعد الانفتاح؟
أولاً: فجوة القدوة بين القول والفعل
الابن اليوم ذكي لماح. يرى أباه يصلي في الصف الأول ويكذب في البيع، ويرى معلمه يتحدث عن الأمانة ويسرب الاختبارات، ويرى داعية ينهى عن الغيبة ويقع فيها. هنا ينفصل الدين عن السلوك في ذهن الابن. فيصل إلى نتيجة خطيرة: “الدين شيء، والواقع شيء آخر”. وهذا ليس ضعف إيمان، بل فقدان ثقة بالنماذج. والإيمان المجرد من الثقة يتحول إلى طقوس جوفاء لا تحمي صاحبها.
ثانياً: التربية على الطاعة العمياء بدل بناء القناعة
نشأ جيل كامل على “نفذ ولا تناقش”، “عيب تسأل”، “حرام تفكر”. فكانت النتيجة أننا قدمنا للمجتمع أبناءً بلا مناعة فكرية. وعندما انفتحوا على العالم الرقمي بكل ما فيه من أفكار وشبهات، سقطوا عند أول سؤال، لأننا لم نعلمهم كيف يفكرون، بل علمناهم كيف يقلدون. المفارقة أن من يتهم “التقليد” هو نفسه ضحية تربية لم تنتج إلا التقليد.
ثالثاً: صدمة الانفتاح المفاجئ
ربينا أبناءنا في بيئة مغلقة ومثالية لسنوات، ثم دفعنا بهم فجأة إلى عالم مفتوح بلا حدود عبر جهاز صغير في أيديهم. هذا مثل من تعلم السباحة نظرياً ثم أُلقي في المحيط. المشكلة ليست في المحيط، بل في غياب التدرج والتأهيل. الانفتاح كشف أننا لم نزوّدهم بأدوات الفلترة والتمييز، فغرقوا في أول موجة.
رابعاً: غياب البيئة الحاضنة والبديل الجاذب
في الماضي، كان المجتمع كله يربي: العم، والخال، والجار، وإمام المسجد. اليوم تفككت هذه المنظومة. صار الابن إذا تعثر لا يجد يداً تمسكه. وفي المقابل، وجد في العالم الافتراضي “شلة” تحتضنه وتقبلّه كما هو، ولو على باطل. الانحراف هنا كان بحثاً عن انتماء لم يجده في بيته ومدرسته.
خامساً: الفراغ وغياب المشروع
النفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. جيل مرفه، وقته فراغ، وطاقته هائلة، ولا يملك مشروعاً يشغله أو هدفاً يسعى إليه. فكان الانحراف ملءً لهذا الفراغ، وليس قناعة فكرية راسخة.
إذن، ما الحل بعد أن انفتح الباب ولن يغلق؟
الحل ليس في لعن الانفتاح أو جلد الذات بتهمة “التقليد”. الحل في تغيير بوصلتنا التربوية من ثلاث زوايا:
من التلقين إلى الحوار: أن نفرح بسؤال الابن بدل أن نخاف منه. أن نقول “لا أعلم، لنبحث معاً” بدل أن نُسكته. بناء القناعة يحتاج صبراً وحواراً.
من القدوة القولية إلى القدوة العملية: أن نطابق بين أقوالنا وأفعالنا. فالابن لا يسمع ما نقول بقدر ما يرى ما نفعل.
من المنع إلى التأهيل: أن نعلمه كيف يستخدم أدوات العصر، وكيف يفرق بين الغث والسمين، بدل أن نمنعه منها فيستخدمها بالسر. نحن لا نستطيع حجب المحيط، لكننا نستطيع تعليمه السباحة.
الخلاصة: أبناؤنا لم ينحرفوا لأنهم “انفتحوا”، بل انحرفوا لأننا لم نُهيئهم للانفتاح. لم يضيعوا لأن إيمانهم ضعيف، بل ضاعوا لأنهم لم يجدوا من يترجم لهم هذا الإيمان إلى سلوك مقنع، وإجابات شافية، ومشروع يحتويهم.
الانفتاح قدر هذا الجيل، والتربية على القناعة والحوار هي مسؤوليتنا. والابن الذي يُربى على الفهم والاقتناع، يزيده الانفتاح قوة وثباتاً، ولا يزيده إلا يقيناً. فالمشكلة لم تكن يوماً في “الضوء”، بل كانت فيمن دخل الغرفة وعيناه لم تعتادا النور.







