✒️ : ميساء عقيل – جازان
ليس هناك ما هو أقسى على الإنسان من أن ينتظر حقه وكأنه مِنّة. الراتب ليس فضلًا من أحد، ولا مكافأة تُمنح عند المزاج، بل هو عرقٌ سال، ووقتٌ أُهدر، وجهدٌ بُذل بكل صدق. وحين يتأخر، فإن الذي يتأخر ليس المال فقط… بل تتعطل معه حياة كاملة.
تأخير الرواتب ليس مجرد رقم لم يُحوَّل، بل هو قلق يتسلل إلى صدور الموظفين، وفوضى تضرب استقرارهم، وأعباء تتكدّس فوق أكتاف أنهكها العمل أصلًا. هناك من يترقب رسالة البنك ليسدد إيجارًا يهدده بالطرد، وهناك من يؤجل احتياجات أطفاله، وآخر يُخفي ضيقه خلف ابتسامة مُتعبة كي لا يُثقل على من حوله. كل هذا يحدث… لأن جهة ما قررت أن الالتزام ليس أولوية.
والأشد ألمًا من الضيق المادي هو الانكسار الداخلي؛ شعور بأنك تُعطي كل ما لديك، لكن أبسط حقوقك لا تأتي في وقتها. أن تعمل بضمير، ثم تُكافأ بالانتظار! أن تُطالب بالإنجاز والانضباط، بينما حقك يُرحّل بلا مبالاة. أي عدل هذا؟ وأي بيئة عمل تُبنى على هذا الاختلال؟
هنا يأتي العتب… ليس عتب ضعف، بل عتب من يعرف قيمته جيدًا. عتب على شركات نسيت أن الموظف ليس رقمًا في كشف الرواتب، بل إنسان يحمل مسؤوليات، وأحلامًا، وكرامة لا تُؤجَّل. عتب على إدارات تُدقق في دقائق الحضور والانصراف، لكنها تتجاهل أشهر التأخير دون أدنى إحساس بالمسؤولية.
تأخير الرواتب لا يمر مرور الكرام، بل يترك ندوبًا خفية: يفقد الثقة، يُضعف الولاء، ويقتل الشغف. فكيف تنتظر إخلاصًا ممن لا يشعر بالأمان؟ وكيف تطلب إنتاجًا عاليًا من نفسٍ مثقلة بالهم والتفكير؟
ومن هنا يأتي العتب… عتبٌ صادق على بعض الشركات التي تغفل أن خلف كل موظف قصة حياة، وأسرة تنتظر، واحتياجات لا تقبل التأجيل. أليس من حق العامل أن يُكافأ على التزامه بالتزام مماثل؟ أليس من العدل أن يكون الأمان الوظيفي شاملًا للحقوق المادية كما هو مطلوب منه أداء واجباته؟
ختامًا، تبقى الرسالة واضحة: احترام وقت الراتب هو احترام للإنسان نفسه. هو تقدير لجهده، واعتراف بكرامته وحفظ لتوازنه النفسي والمعيشي فكونوا على قدر هذه المسؤولية فخلف كل راتب حكاية حياة تستحق أن تُصان.
بقلم الكاتبة : ميساء عقيل – جازان








