بين الذاكرة والنسيان: ماذا يبقى عندما تُمحى التفاصيل؟

العارضة – صحيفة صدى نيوز اس

عبدالله شراحيلي

ليست الذاكرة مجرد مخزنٍ للصور والأحداث، ولا النسيان فراغًا مطلقًا كما نتصوّر؛ إنهما معًا نسيجٌ خفيّ يُعيد تشكيلنا في كل لحظة. وبينهما مساحةٌ غامضة، لا تضيع فيها الأشياء تمامًا، ولا تبقى كما كانت. هناك، في تلك المنطقة الرمادية، يسكن ما يبقى منّا… وما يبقى لنا.

حين تمحى التفاصيل، لا تختفي القصة كلها. قد ننسى ملامح الوجوه، تواريخ اللقاءات، أو الكلمات التي قيلت بحرفيّتها، لكن شيئًا أعمق يظلّ حيًا. يبقى الأثر. ذلك الإحساس الغامض الذي لا نعرف له اسمًا، لكنه يزورنا حين تمرّ رائحةٌ مألوفة، أو حين نرى مشهدًا يشبه ماضينا. كأن الذاكرة، حين تعجز عن الاحتفاظ بالشكل، تحتفظ بالروح.

ننسى كيف بدأ كل شيء، لكننا لا ننسى كيف جعلنا نشعر. تبقى الضحكة وإن غاب سببها، ويبقى الحزن وإن تلاشى مبرّره. وكأن القلب يسجّل بطريقته الخاصة ما تعجز عنه الذاكرة. فالذاكرة قد تخون، لكن الشعور لا يكذب.

وفي هذا النسيان رحمةٌ خفية؛ فلو بقيت التفاصيل بكل حدّتها، لأثقلت الروح وأرهقت القلب. إن النسيان ليس دائمًا فقدًا، بل هو أحيانًا شفاء. يخفّف عنّا ثقل الأيام، ويمنحنا فرصةً لنبدأ من جديد دون أن نحمل كل شيء معنا. كأن الحياة تقول لنا: لا تحتاج أن تتذكّر كل شيء لتكون أنت.

ومع ذلك، يبقى السؤال: من نكون إذا فقدنا تفاصيلنا؟

الجواب ربما يكمن في ذلك الباقي الصامت… في القيم التي تشكّلت، في النضج الذي وُلد من التجارب، في الأثر الذي تركه الآخرون فينا. نحن لسنا تفاصيل فقط، بل نحن ما تعلّمناه منها، وما تغيّر فينا بسببها.

قد تُمحى الحكايات، لكن تبقى معانيها.

قد تتلاشى الوجوه، لكن تبقى بصماتها في القلب.

وقد يرحل كل شيء… إلا ذلك الشعور الذي شكّلنا يومًا، فصار جزءًا منّا.

بين الذاكرة والنسيان، لا يضيع الإنسان… بل يُعاد اكتشافه.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

شبابيك الأحلام

أ. عبدالله شراحيلي ليتَ لأحلامِ المحبةِ شبابيكَ نفتحها كلما ضاق بنا المساء، فنطلُّ منها على الجهات التي أحببناها، ثم نقول للحلم: طِرْ… فما أجمل أن تكون حرًّا، وما أجمل أن يصل الحب دون أن يُقيَّد. بعض الأحلام لا تأتي لتسكن معنا، وإنما تأتي لتوقظ في أرواحنا شيئًا جميلًا. تمرّ كنسمةٍ خفيفة، تترك في القلب أثرًا لا يُرى، ثم تمضي… ويبقى عطرها في الذاكرة. والمحبة الحقيقية تشبه…

وادي زيد.. قريةٌ تسكنها المحبة ويجمع أهلها الوفاء

  بقلم: د .معدي بن حسين علي آل حية ليست القرى مجرد بيوتٍ متجاورة، ولا تُقاس قيمتها باتساع مساحتها أو عدد سكانها؛ فهناك قرى تكتسب مكانتها من أهلها، وأخلاقهم، وروابطهم، وذاكرتهم الجميلة. ومن هذه القرى التي تستحق أن تُذكر بكل اعتزاز قرية وادي زيد، إحدى قرى محافظة أحد رفيدة بمنطقة عسير،، في موقع مميز يتوسط الطريق بين أحد رفيدة وسراة عبيدة، وقريبة من خميس مشيط. ترتبط…

لقد فاتك ذلك

ديربي العدسة.. حسين عتودي ومحمد صميلي يكشفان كواليس التصوير الصحفي

ديربي العدسة.. حسين عتودي ومحمد صميلي يكشفان كواليس التصوير الصحفي

مؤسسة بينالي الدرعية تطلق أجندة ثقافية متكاملة في حيّ جاكس ابتداءً من سبتمبر 2026

مؤسسة بينالي الدرعية تطلق أجندة ثقافية متكاملة في حيّ جاكس ابتداءً من سبتمبر 2026

من الهشاشة إلى الاتزان.. نادي ملتقى المبدعين يقدّم أمسية في بناء النفس القادرة

من الهشاشة إلى الاتزان.. نادي ملتقى المبدعين يقدّم أمسية في بناء النفس القادرة

فرص واعدة لشراكة اقتصادية غير نفطية بين المملكة العربية السعودية والهند

فرص واعدة لشراكة اقتصادية غير نفطية بين المملكة العربية السعودية والهند

زيارة «صدى نيوز إس» لدارة الملك عبدالعزيز تُتوَّج باتفاق شراكة مجتمعية

زيارة «صدى نيوز إس» لدارة الملك عبدالعزيز تُتوَّج باتفاق شراكة مجتمعية

وزير السياحة يعلن عن تفاصيل النسخة الثانية من منتدى TOURISE 

وزير السياحة يعلن عن تفاصيل النسخة الثانية من منتدى TOURISE 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode