اللواء متقاعد محمد فريح الحارثي
يحدث كثيراً في مجالسنا، وفي زوايا بيوتنا، أن تنتهي جلسة هادئة بصفقة باب غاضبة أو صمت ثقيل يخيّم على المكان. ليس لأن أحداً اعتدى على حق أحد، بل لأن شخصاً تجرأ وقال ببساطة: “أنا أرى الأمر بشكل مختلف”. عند تلك اللحظة تحديداً، تسقط الأقنعة، وتنهار سنوات العِشرة، وكأن الود كان قائماً على شرطٍ واحد: أن نكون نُسخة واحدة ونفكر بالطريقة نفسها.
اصبحنا نعيش حالة من الهشاشة الاجتماعية، حيث تحوّل التعبير عن الرأي من وسيلة للفهم إلى سلاح للمواجهة. تربّت عقولنا على منطق يقسّم العالم إلى معسكرين: إما معي بالكامل، أو ضدي بالكامل. هذا المنطق لم يعد يكتفي بابتعاد الاصدقاء، بل امتد ليشقّ صفوف العائلة، ويهدم صداقات كانت تُضرب بها الأمثال.
قبل أسابيع قليلة، دار نقاش عابر بين اثنين من الأصدقاء حول مباراة كرة القدم. لم يكن النقاش حاداً في بدايته، لكنه انقلب فجأة إلى اتهامات شخصية، ثم انتهى بحظر متبادل في مجموعات التواصل. لم يكن الخلاف حول قضية مصيرية، بل حول رأي يمكن أن يتغير في يوم واحد، لكن النتيجة كانت خسارة علاقة امتدت لسنوات.
المشكلة ليست في الاختلاف نفسه؛ فالعقول بطبيعتها متباينة. المشكلة في الفجور في الخصومة الذي يرافق هذا الاختلاف. لماذا أصبح من السهل أن نهجر أخاً أو صديقاً أو جاراً لمجرد أنه يحمل رأياً مغايراً في شأنٍ رياضي أو سياسي أو اجتماعي؟ لماذا نمارس “التنمر الفكري والعقاب العاطفي” وكأننا أوصياء على الحقيقة المطلقة؟
وجزء من هذه الظاهرة يعود إلى أن الثقافة الاجتماعية تربط بين الرأي والهوية. فعندما يختلف شخص معنا، نشعر وكأنه يرفضنا نحن، لا رأينا فقط. كما أن وسائل التواصل جعلت كل رأي معلناً أمام الجميع، فصار التراجع عنه يُرى كضعف، والتمسك به يُرى كقوة. ومع غياب مهارات الحوار، يتحول النقاش إلى معركة إثبات ذات، لا بحث عن حقيقة.
الهدي النبوي وضع لنا قاعدة ذهبية حين قال ﷺ: “ولا تدابروا”. والتدابر هو أن يعطي كل طرف ظهره للآخر، فتذبل لغة العيون وتنقطع خيوط الوصل. يبدأ التدابر من الداخل، حين نقرر أن الشخص الذي أمامنا لم يعد يستحق محبتنا لأنه مختلف. فتتحول المودة إلى مجاملة باردة، ثم إلى قطيعة لا يذيبها حتى المرض أو واجب العزاء.
في النهاية، آراؤنا ليست سوى وجهات نظر تتبدل مع الأيام والتجارب. أما الإنسان الذي نخسره اليوم فلن يعوّضه ألف رأي “صحيح”. علينا أن نتعلم كيف نغلق ملف النقاش ونُبقي باب المحبة مفتوحاً. فالرأي الذي يفسد الود رأي مريض، والانتصار في نقاش ينتهي بقطيعة رحم هو هزيمة فادحة للمروءة والإيمان.






