مرايا اجتماعية: *صراع الانتصار بين صلابة الكبرياء وخفض الجناح*

 

✍️محمد فريح الحارثي

بالله عليكم الا يحدث ذلك بيننا؟، في بعض الحالات اللتي يحدث فيها حوار عادي بين إثنين أو أكثر ثم يتحول إلى جدال ثم يتصاعد إلى مشادة قوية، ثم يلجأ الطرفان إلى قطع حبل الود والتواصل، وبعدها ببناء جدار الأوهام “الكرامة أو عِزة النفس” وهو في الحقيقة مجرد “كبرياء” يؤلمنا قبل أن يؤلم غيرنا. كل طرف فينا يقف خلف هذا الجدار، ينتظر ويترقب مبادرة من الآخر، في إعادة العلاقة باعتذار، معتقداً أنه هو صاحب الحق الوحيد. ومع مرور الوقت، نعتاد على هذا العناد، فتزيد الفجوة بقسوة الجفوة، وتتحول إلى قطيعة ثم إلى واقع مرير نعيشه ونتبلد عليه.

لكن هنا يبرز السؤال الذي يميز الإنسان الناضج، العاقل، الراشد: من منا يملك الشجاعة الكافية لكسر جموح النفس وإنهاء هذا العناد والكبرياء؟

التاريخ يروي لنا قصصاً ليست للعبرة فقط، بل لتكون منهجاً في “فن كسب القلوب”. ومن أجمل هذه المواقف في كَسر التعالي، والأنا، وشوفة النفس، ما جرى بين عبد الله بن الزبير ومعاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنهما). حيث كانت لعبد الله بن الزبير مزرعة في المدينة المنورة، وبجوارها تماماً مزرعة لمعاوية الذي كان حينها خليفة في دمشق.

وذات يوم، دخل عُمال مزرعة معاوية إلى مزرعة ابن الزبير، وتكرر هذا التعدي أكثر من مرة. فغضب ابن الزبير، وكان بينه وبين معاوية واقعة جفاء، فكتب له رسالة شديدة اللهجة جاء فيها:

“من عبد الله بن الزبير إلى معاوية (ابن هند آكلة الأكباد).. أما بعد، فإن عمالك دخلوا إلى مزرعتي، فامرهم بالخروج منها، أو فوالذي لا إله إلا هو ليكونن لي معك شأن!”
وصلت الرسالة لمعاوية، وهو المشهور بحلمه وصبره. قرأها ثم التفت لابنه يزيد يسأله: “ما رأيك في ابن الزبير الذي يهددني؟”. فكان رد يزيد مندفعاً: “أرى أن ترسل له جيشاً أوله عنده وآخره عندك، يأتيك برأسه!”. لكن معاوية، بذكاء القائد وقلب الكبير، وحكمة العاقل، قال: “بل خيرٌ من ذلك زكاةً وأقرب رُحماً”.

وكتب رداً غيّر مجرى العلاقة تماماً:

“من معاوية بن أبي سفيان إلى عبد الله بن الزبير (ابن أسماء ذات النطاقين).. أما بعد، فوالله لو كانت الدنيا بيني وبينك لسلّمتها إليك، ولو كانت مزرعتي تمتد من المدينة إلى دمشق لدفعتها لك. فإذا وصلك كتابي هذا، فخذ مزرعتي إلى مزرعتك وعمّالي إلى عمّالك؛ فإن جنّة الله عرضها السموات والأرض”.

لم يتحمل ابن الزبير نُبل هذا الرد، فبكى حتى بللت دموعه لحيته، وشد رحاله فوراً إلى دمشق ليقبل رأس معاوية قائلاً: “لا أعدمك الله حُلماً أحلّك في قريش هذا المحل”.

هذا هو الرقي الإنساني الذي نحتاجه اليوم عند نزعة أنفسنا في بعض الخلافات.
القوة الحقيقية ليست في فرض الرأي أو كسر الآخر، أو في المكابرة والعناد وشوفت النفس، بل في القدرة على امتلاك القلوب باللين. نحن اليوم في أمسّ الحاجة لنتذكر أن علاقاتنا الإنسانية،وروابط القربى والرحم، والجوار، أغلى بكثير من أي خصومة على مادة أو فكرة عابرة.

بصفتنا بشراً، نحن معرّضون للخطأ والزلل، والشخص الذكي هو من يعرف كيف يتحمل “أخطاء” الآخرين طمعاً فيما عند الله وليحمي جودة حياته، ويحافظ على الروابط الانسانية من الضياع.

ختاماً، ليكن شعارنا الدائم: “رأيي لك.. وقلبي معك”. قد نختلف في وجهات النظر، وقد تتعارض مصالحنا، لكن يجب ألا نغلق الباب أبداً في وجه من نحب. فخسارة “جولة حوارية” أهون بكثير من خسارة “قلب” كان لنا يوماً وطناً وسنداً. لنكن نحن من يبدأ بالسلام، ولنثق دائماً أن العفو لا يقلل من قدرنا، بل يزيدنا رفعة وعزاً.

صدى نيوز إس

Related Posts

تراتيل التحرر والشموخ

  دكتور حسن الأمير على صهوة العزم المطلق أمضي أشيد صروح الغاية الأسمى لبنة فوق لبنة متساميًا فوق ضجيج المرجفين والمنتقدين ومترفعًا عن الكلمات المسمومة التي حاولت يومًا أن تثخن كبريائي أو تنال من ثباتي……. لقد أسدلت الستار نهائيًا على مواسم العتاب المضنية وأوصدت خلفي كل أبواب الشقاء والتكلف التي كانت تشرعها المجاملات الزائفة والعلاقات الهشة فمن اختار النأي والرحيل طوعًا أو كرهًا لن يجد في…

أولادي .. في خطر

سارة السلطان / الرياض من منا لا يحب أن يرى بر أولاده بالدنيا والآخرة.. هذه بعض الإضاءات لعل الله ينفع بها لبر أولادنا من منبر الهدي النبوي التربوي : ذكر الله أول ما يستيقظ المسلم لتفك أول عقدة من عقد الشيطان ، يتوضأ ثم يصلي لتفك – يحاول أن يكون بيته خالي من مجسمات تطرد الملائكة .. ‏(صلوا كما رأيتموني أصلي ) (القدوة ) ‏ليرى أبنائكِ…

لقد فاتك ذلك

تراتيل التحرر والشموخ

تراتيل التحرر والشموخ

أولادي .. في خطر

أولادي .. في خطر

فيتنام.. من ذاكرة الحرب إلى صناعة الحياة

فيتنام.. من ذاكرة الحرب إلى صناعة الحياة

الأحوال المدنية بالشرقية تحتفي بالهوية الوطنية في اليوم الوطني الـ96 بـ«إثراء»

الأحوال المدنية بالشرقية تحتفي بالهوية الوطنية في اليوم الوطني الـ96 بـ«إثراء»

الفنان توليت يلتقي جمهوره في جدة في ليلة موسيقية مميزة

الفنان توليت يلتقي جمهوره في جدة في ليلة موسيقية مميزة

مفتي عام المملكة: الثبات والاعتصام ووحدة الصف من أسباب النصر وحماية الأوطان

مفتي عام المملكة: الثبات والاعتصام ووحدة الصف من أسباب النصر وحماية الأوطان

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode