اخسر ما تشاء، لكن إياك أن تخسر وطنًا سموُّ الانتماء: الوطنُ هو الحُضنُ الأولُ والأخير

 

الإعلامي: عادل بن محمد البكري

جازان – صحيفة صدى نيوز إس

في مسيرةِ الحياة، يكتشفُ المخلصون أنَّ الولاءَ للوطن ليس شعارًا يُرفع، بل موقفٌ يُتخذ، ومسؤوليةٌ تُحمَل، وعهدٌ يُصان. يظلُّ الصادقون ثابتين على مبادئهم الوطنية، مدركين أنَّ الوطنَ قيمةٌ عليا لا تقبلُ المساومة، وأنَّ العيشَ بكرامةٍ على ثراه هو الغايةُ التي تتضاءلُ أمامها كلُّ الغايات.

فالوطنُ ليس أرضًا نعيش فوقها فحسب، بل تاريخٌ نحمله، وهويةٌ نفخر بها، ومستقبلٌ نعمل من أجله. وحين يترسخ حبُّ الوطن في القلوب، يصبح العطاءُ له شرفًا، والعملُ من أجله واجبًا، والمحافظةُ على أمنه واستقراره مسؤوليةً يتشارك فيها الجميع.

الصدقُ… نبضُ الولاءِ

إنَّ صدقَ الانتماءِ للوطن لا يُقاسُ بكثرةِ الشعارات، بل بما يترجمه الإنسانُ من مواقفَ وأفعال. فحين يكونُ الولاءُ صادقًا، ينعكسُ في المحافظةِ على مقدراتِ الوطن، واحترامِ أنظمته، والتمسكِ بمبادئه الوطنية، والعملِ بإخلاصٍ من أجلِ رفعته وازدهاره.

فالصدقُ هو الروحُ التي تُحيي الولاء، والنبضُ الذي يمنحه الثباتَ في أوقاتِ الرخاءِ والشدة. ومن يجعلُ الوطنَ فوق المصالحِ الضيقة، يربحُ احترامَ التاريخ وإن خسرَ بعضَ المكاسبِ العابرة؛ لأنَّ الأوطانَ تُبنى بالإخلاص، وتزدهرُ بسواعدِ المؤمنين بها.

الخيانةُ… الجرحُ الذي لا يندمل

إنَّ أشدَّ ما يواجهه الوطنُ ليس عدوَّه الظاهر فحسب، بل تلك الخيانةُ التي تتسللُ من الداخل، فتُضعفُ الصفوف وتُربكُ المسير. فهي طعنةٌ تأتي من حيثُ يُفترضُ أن يكون الوفاء، ولذلك يكونُ أثرُها أعمقَ وأشدَّ إيلامًا.

إنَّ التخاذلَ في حقِّ الوطن خروجٌ عن ميثاقِ الكرامة، وجرحٌ غائرٌ يتركه من باعوا الضميرَ في جسدِ الأمانة التي لا تقبلُ التبرير. فالعدوُّ المعروفُ يُواجَهُ بالثباتِ والحزم، أما التهاونُ من الداخل فهو خطرٌ يتطلبُ أعلى درجاتِ الوعي واليقظة والمسؤولية.

عهدُ الوفاءِ… باقٍ لا يتغيَّر

يبقى المخلصون أوفياء لوطنهم مهما تبدلت الظروف وتعاقبت الأحداث؛ لأنَّ الانتماء الحقيقي لا تصنعه المصالح، بل تصنعه القيم الراسخة والمبادئ الثابتة. فكلُّ جيلٍ يتسلَّم أمانة الوطن ممن سبقه، ويحمل مسؤولية الحفاظ عليه وتسليمها أكثر قوةً ورسوخًا لمن يأتي بعده.

وحين يكونُ الولاءُ نابعًا من قناعةٍ راسخة، لا تهزه العواصف ولا تُضعفه المغريات، بل يزداد رسوخًا مع الأيام؛ لأنَّه مرتبطٌ بالهوية والانتماء والاعتزاز بتاريخ الوطن ومنجزاته.

ختامًا: عهدٌ لا ينكس

يبقى الوطنُ الحُضنَ الأولَ والأخير، والملاذَ الذي تنتمي إليه الأرواحُ قبل الأجساد. هو الجذرُ الذي نستمدُّ منه ثباتنا، والرايةُ التي نعتزُّ بالوقوف تحت ظلِّها، والاسمُ الذي نحمله في قلوبنا قبل أن تنطقه ألسنتنا.

وإنَّ الوفاءَ للوطن ليس موقفًا عابرًا تفرضه الظروف، بل ميثاقُ شرفٍ راسخٌ لا يتبدل، وعهدٌ متجددٌ مع كلِّ يومٍ ومع كلِّ جيل.

سنظلُّ أوفياء له في الرخاء والشدة، نحفظُ أمانته، ونصونُ منجزاته، ونبذلُ من أجله ما نستطيع؛ لأنَّ الأوطان العظيمة لا تبنيها الكلمات وحدها، بل تبنيها سواعدُ المخلصين، وتُشيِّدُ مجدَها قلوبُ المؤمنين بها، وتُخلِّدُ رسالتَها مواقفُ الأوفياء الذين يجعلون الوطن فوق كل اعتبار.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الإشباع العاطفي

العارضة-صحيفه صدى نيوز إس عبدالله شراحيلي الإشباع العاطفي ليس ترفًا في الحياة، بل هو حاجة إنسانية عميقة، تُنعش الروح كما يُنعش الماء الأرض العطشى. وهو ذلك الشعور الجميل بالأمان والاحتواء والتقدير، حين يجد الإنسان من يصغي إليه بقلبه قبل أذنه، ويمنحه الاهتمام دون طلب، والود دون مقابل. والإشباع العاطفي لا يقتصر على الكبار فحسب، بل يبدأ منذ الطفولة، بل إنه من أهم احتياجات الطفل النفسية والتربوية.…

لحظات تُعيدنا إلى الحياة

  الكاتبة / وجنات صالح ولي. أحيانًا، لا نحتاج إلى تغييرات جذرية أو أحداث خارقة لنعيد ترتيب أرواحنا المبعثرة… يكفي أن يزورنا صوت قديم نحبّه، أو أن نلمح ابتسامة شخصٍ مرّ في حياتنا ذات يوم وترك أثرًا. تلك اللحظات الصغيرة، التي تمرّ علينا بخفة الطيف، قادرة على أن تعيد قلوبنا للنبض من جديد. قد تكون فنجان قهوة في صباح هادئ، رسالة مليئة بالاهتمام، أو حضن دافئ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الدوادمي تودع رجل الأعمال والخير… وفاة الشيخ رجاء الروقي

الدوادمي تودع رجل الأعمال والخير… وفاة الشيخ رجاء الروقي

فتحية العساف تتألق في “جدران من ورق” وتُكرَّم في ختام الأمسية

فتحية العساف تتألق في “جدران من ورق” وتُكرَّم في ختام الأمسية

الإشباع العاطفي

الإشباع العاطفي

لحظات تُعيدنا إلى الحياة

لحظات تُعيدنا إلى الحياة

جمعية مكارم تُحقق قفزة نوعية في حج 1447هـ وتُبرز ريادتها الميدانية بأكثر من 5.8 مليون خدمة لضيوف الرحمن

جمعية مكارم تُحقق قفزة نوعية في حج 1447هـ وتُبرز ريادتها الميدانية بأكثر من 5.8 مليون خدمة لضيوف الرحمن

«قيصرية الكتاب»: حين تصنع الحكاية وعي الغد وتستشرف مستقبل الطفل العربي

«قيصرية الكتاب»: حين تصنع الحكاية وعي الغد وتستشرف مستقبل الطفل العربي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode