الكاتبة /وجنات صالح ولي.
في عالمٍ يمتلئ بالخيارات السريعة والعلاقات العابرة، يختار بعض الأشخاص أن يسيروا عكس التيار، لا عن تعقيد، بل عن وعي. هؤلاء لا يعيشون بعشوائية، ولا يسمحون لكل ما يمرّ أن يستقرّ في حياتهم، بل يتعاملون مع اختياراتهم بنوع من التأني والهدوء الذي قد يراه البعض مبالغة، لكنه في حقيقته احترام عميق للذات.
الانتقائية هنا لا تعني التعالي، بل تعني الإدراك. إدراك أن ليس كل ما يلمع يستحق الاقتراب، وأن ليس كل من يطرق الباب مناسبًا للدخول. لذلك، يصبح التمهّل في اتخاذ القرار ضرورة، لا رفاهية، ويغدو التفكير قبل الشعور مهارة تُحمِي القلب من الاندفاع غير المحسوب.
في هذا السياق، لا تُمنح المشاعر بسهولة، ولا تُقال الكلمات بدافع اللحظة فقط، بل تُبنى على قناعة حقيقية. فالشخص الانتقائي لا يبحث عن الكثرة، بل عن الجودة، ولا ينجذب إلى العلاقات المؤقتة التي تبدأ سريعًا وتنتهي بلا أثر، بل يميل إلى ما يحمل معنى وامتدادًا واستقرارًا.
وربما يبدو هذا النمط من الحياة صعبًا للبعض، خاصة في زمن يُكافئ السرعة ويحتفي بالعلاقات السهلة، لكنه في المقابل يمنح صاحبه نوعًا من السلام الداخلي، لأنه ببساطة لا يضطر إلى التنازل كثيرًا، ولا يجد نفسه محاطًا بأشياء لا تشبهه.
في النهاية، تظل الفكرة الأهم أن الإنسان حين يعرف نفسه جيدًا، يصبح أكثر قدرة على الاختيار، وأكثر شجاعة في الرفض، وأكثر صدقًا في العطاء. فالانتقائية ليست جدارًا يُبعد الآخرين، بل بوابة لا يدخل منها إلا من يستحق البقاء.








