من ملفات العميد حمد الشميسي جريمة في بوردو

بقلم . فايل المطاعني الحكواتي.

الفصل السادس

حدائق سارة

جلست سارة حائرةً وهي تتقبل التعازي في وفاة والدها. لم تكن تدري ماذا تفعل، فقد أظلمت الدنيا في عينيها، ولسان حالها يردد:

حقًا مات سام؟ هل مات أبي؟

كان عقلها يرفض التصديق، وكأنها تقنع نفسها بأنه مسافر كعادته، وأنه سيعود بعد أسابيع قليلة حاملاً هداياه وابتسامته المعهودة.

وفجأة أحست بدموعها تنساب على وجنتيها، فتمتمت بالإيطالية:

“Sam è morto”

(لقد مات سام).

قالتها بلغتها المفضلة عند الحزن، فهي تشبه والدها كثيرًا؛ فكلما ضاقت بهما الدنيا احتميا بجذورهما الإيطالية وكلماتها الدافئة.

مكثت سارة في عزلتها داخل مجمع الفلل المعروف باسم «حدائق سارة»، تلك البيوت المشيدة على الطراز الإيطالي القديم، والمحاطة بالأشجار والورود من كل جانب، حتى بدا المكان وكأنه قطعة من الريف الإيطالي انتُزعت وزُرعت في قلب بوردو.

لكن جمال المكان لم يعد يعني لها شيئًا.

لقد فقدت متعة الحياة بعد أن قُتل والدها بطريقة بشعة. ولم تنسَ ذلك اليوم الذي وقفت فيه أمامه ترجوه أن يبتعد عن المافيا ويحذر من التعامل معها، لكنه لم يستمع إليها، وها هي المافيا ترد الجميل بالرصاص والغدر.

وخلال أيام الحداد أبلغت العاملين لديها بعدم رغبتها في استقبال أي زائر أو معزٍ، مكتفية برسائل التعزية التي تنشرها الصحف.

وبينما كانت غارقة في أفكارها، سمعت طرقًا خفيفًا على باب غرفتها.

ـ ادخلي.

دخلت روجينا، مدبرة المنزل، وقالت بهدوء:

ـ الكولونيل رينو موجود في الأسفل، ويرغب في مقابلتك.

حاولت سارة أن تبتسم، لكنها فشلت.

وقالت بحزن:

ـ يا لسخرية القدر… كنت أتمنى حضور صديقي رينو لينقذ والدي، فإذا به يأتي ليقدم واجب العزاء فيه.

ثم أجهشت بالبكاء.

وبعد برهة تماسكت وقالت:

ـ حسنًا… أخبريه أنني قادمة.

إذا أردت فاستقدر

مسقط

كان منزل النقيب منى يعج بالضيوف والأقارب. فقد دعا والدها علي بن سليمان الجميع للاحتفال بنجاح مشروعه الجديد، وكانت أجواء الفرح تملأ أرجاء الفيلا.

إلا أن منى كانت شاردة الذهن.

كانت تفكر في السفر إلى فرنسا، وتحديدًا إلى مدينة بوردو، لكنها لم تعرف كيف تقنع والدها بذلك، خاصة أنه كان يخطط لاصطحاب العائلة في رحلة إلى إسطنبول.

تمتمت مبتسمة:

ـ إسطنبول مدينة جميلة… لكن لا أحد يفوت فرصة التجول في بوردو وزيارة صالون Beauté D’Alma.

ضحكت وهي تقول ذلك، ثم سرعان ما اختفت ابتسامتها وعاد الجِد إلى ملامحها.

فالحقيقة أن الأمر لم يكن يتعلق بصالون تجميل ولا بالتسوق.

بل كان يتعلق بالذهاب مع أبو هزاع.

فمرافقة العميد حمد الشميسي مغامرة لا تُفوَّت، كما أن إحساسًا غامضًا كان يخبرها بأن شيئًا كبيرًا على وشك الحدوث.

جلست تتحدث مع صديقتها الدكتورة هدى، محاولة إقناعها بأن رغبتها في السفر سببها التسوق والتنزه على شاطئ Plage du Lac الجميل، والمشي حافية القدمين فوق رماله الناعمة.

لكن هدى قاطعتها قائلة:

ـ ولكن ماذا؟

ـ ماذا حدث يا منى؟

ـ كنت أظن أن رجال الشرطة يستطيعون السفر إلى أي مكان في العالم دون أن يسألهم أحد. أليستم رجال بوليس؟

قالتها ضاحكة.

غير أن منى لم تضحك، بل صححت لها الفكرة قائلة:

ـ هذا تصور خاطئ. نعم نحن رجال شرطة، لكننا بشر أيضًا، ولدينا أسر وعائلات. وأنا ابنة لعائلة محافظة، ولا أستطيع السفر دون موافقة والدي.

ثم تنهدت وأضافت:

ـ المشكلة ليست في السفر… المشكلة هي كيف أقنع والدي بأن يسمح لي بالذهاب إلى بوردو مع أخي العميد حمد الشميسي.

اقتربت هدى منها، ثم همست في أذنها بالفرنسية:

“Si tu veux, tu peux”

(إذا أردتِ… فأنتِ تستطيعين).

عندها ارتسمت على وجه منى ابتسامة خفيفة، وكأن كلمات صديقتها أشعلت بداخلها شرارة الأمل من جديد.

يتبع

صدي نيوز اس 6

Related Posts

طاقة الأمل.. كيف ترى الفرص في قلب المصائب؟

بقلم: د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان ضمن سلسلة: حياتك السعيدة (41) الأمل ليس ضربًا من أوهام الخيال، ولا تسليةً للقلوب المكلومة، بل هو رؤية إيمانية عميقة، تُبصر بها الروح ألطاف الله تعالى، وتستشعر بها حكمته في مجريات الحياة، وتستمد منها القوة على مواصلة الطريق مهما اشتدت المصائب وتتابعت التحديات. السعادة الحقيقية تنبع من التفاؤل الإيماني؛ ذلك اليقين الذي يملأ القلب ثقة بالله تعالى، ويمنحه قدرة…

خوخة حفصة.. نافذةٌ حكت قصة وفاءٍ بجوار الحجرة النبوية

  بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه في المدينة النبوية، حيث تتعانق صفحات التاريخ مع المكان، لا تبدو تفاصيل المسجد النبوي مجرد أحجار وأبواب ونوافذ؛ فخلف كثير من معالمه حكايات ارتبطت بالسيرة النبوية وبحياة الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم. ومن بين تلك الحكايات التي استوقفت المؤرخين «خوخة حفصة»؛ ذلك المنفذ الذي ارتبط تاريخيًا بدار أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها،…

لقد فاتك ذلك

طاقة الأمل.. كيف ترى الفرص في قلب المصائب؟

طاقة الأمل.. كيف ترى الفرص في قلب المصائب؟

خوخة حفصة.. نافذةٌ حكت قصة وفاءٍ بجوار الحجرة النبوية

خوخة حفصة.. نافذةٌ حكت قصة وفاءٍ بجوار الحجرة النبوية

متحف صلح الحديبية يحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96 في أمسية وطنية حافلة

متحف صلح الحديبية يحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96 في أمسية وطنية حافلة

النعيرية تتوشح بالأخضر احتفالا باليوم الوطني السعودي الـ96

النعيرية تتوشح بالأخضر احتفالا باليوم الوطني السعودي الـ96

مكتبة الإسكندرية تفتح أبوابها لـ “مصور الملوك والأمراء” خالد خضر في معرض يوثق 100 عام من عمارة الحرمين

مكتبة الإسكندرية تفتح أبوابها لـ “مصور الملوك والأمراء” خالد خضر في معرض يوثق 100 عام من عمارة الحرمين

بروح الوفاءوالانتماء كشافة شباب مكة المكرمة تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96

بروح الوفاءوالانتماء كشافة شباب مكة المكرمة تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode