حكمة القدر ورحمة الرحمن.. وقفة تأمل في فجوة الأعمار بين الأزواج

 

بقلم الدكتور/

خالد بن عمر بن محمد العمودي

الحمد لله رب العالمين، القائل في محكم تنزيله:

{إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ}، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي علمنا الرضا بالمرشد والمكتوب في المنشط والمكره، وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد؛ فإن الإيمان بالقدر خيره وشره هو ركن مكين من أركان عقيدتنا الإسلامية، ونحن نعلم يقيناً وعن كمال تسليم أن الآجال بيد الله وحده سبحانه، لا تقدم ولا تؤخر، كما قال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ}. فلن يموت إنسان ناقص عمر، ولن تفيض روح إلا وقد استوفت رزقها وأجلها.

لكن هذا الإيمان المطلق لا يمنع العقل البشري من التأمل في ظواهر الحياة وسنن الله الكونيه والاجتماعية. ومن بين الأطروحات التي تشغل البال من زمن، وتلوح أمامنا في مجالس العوائل والمجتمعات، هي تلك الملاحظة الظاهرة: “لماذا يتوفى غالب الأزواج قبل زوجاتهم؟”. فلو أمعنا النظر فيمن حولنا من قريب أو بعيد، لوجدنا أن كفة وفيات الرجال أرجح بنسب ملحوظة، حتى كأنها ظاهرة تستدعي التوقف والدراسة.

معترك الحياة وثقل المسؤولية:

إن المتأمل في طبيعة الحياة يجد أن الرجل قد خصه الله سبحانه وتعالى بعبء القوامة والسعي، كما قال جل وعلا: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. هذا السعي الدؤوب لتأمين العيش الكريم ومواجهة تقلبات الدهر يضع الزوج تحت طائلة ضغوط نفسية وبدنية مزمنة.

وكما يقول المثل الشعبي الدارج: “الرجل شقا وبكى”، في إشارة إلى كثرة شقائه وكتمانه لدموعه وهمومه. هذا الكتمان، وعدم إظهار الضعف أو الشكوى، ينعكس سلباً على صحة الأزواج؛ فتراهم الأكثر توعكاً صحياً بشتى أنواع أمراض العصر؛ من ضغط، وسكر، وأمراض قلب وشيخوخة. فالرجل يحترق داخلياً ليضيء لغيره، حتى يدركه الانهيار أو السقوط المفاجئ.

 

الحكمة الإلهية والرحمة الخفية:

وإذا طرحنا السؤال المريح والبلسم الشافي: “هل وفاة أكثر الأزواج قبل الزوجات رحمة من رب العالمين؟”، فالإجابة تتجلى في تدبير الحكيم الخبير.

إن من فضل الله تعالى ورحمته بعباده أن جعل المرأة مؤهلة عاطفياً ونفسياً بطبيعتها لتحمل غياب شريك حياتها؛ ففيها من الصبر والجلد وقدرة الاحتواء ما يمكنها من لمّ شمل الأبناء ومواصلة مسيرة الأسرة بروح التضحية. أما الرجل، فإنه إذا فقد زوجته، غالباً ما يصيبه الشتات وتضيق به تفاصيل الحياة اليومية، وقد يسرع إليه الانهيار الصحي بعد رحيل شريكة عمره. وكما يعبر المثل الشعبي ببلدنا: “البيت بلا مَرة (امرأة)، مثل الدكان بلا غَلة”، دلالة على أن المرأة هي عماد استقرار البيت وأمنه، فكانت رحمة الله أن يبقى هذا العماد مستوراً وقائماً لرعاية المحصول.

وفي هذا المضمون، يتجلى الحديث النبوي الشريف الذي يعظم أجر المرأة الصابرة المحتسبة؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم: (أَنَا وَامْرَأَةٌ سَفْعَاءُ الْخَدَّيْنِ كَهَاتَيْنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -وَأَوْمَأَ يَزِيدُ بِالْوُسْطَى وَالسَّبَّابَةِ- امْرَأَةٌ آمَتْ مِنْ زَوْجِهَا [أي تَرَمَّلَتْ] ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، حَبَسَتْ نَفْسَهَا عَلَى يَتَامَاهَا حَتَّى بَانُوا أَوْ مَاتُوا) [رواه أبو داود].

قبل الختام :

إن هذا الأمر ليس إعتراضاً على المقادير، بل هو دعوةللمختصين لعمل دراسات ميدانية محلياً وعالمياً، لفهم الدوافع الصحية والاجتماعية التي تستنزف صحة الرجال مبكراً، لعلنا نصل إلى سبل تعزز من جودة الحياة والوعي الصحي للأزواج.

الحمد لله إن رب العباد أعلم بالحال عند الجميع، فسبحان من وسعت رحمته كل شيء، ودبّر هذا الكون بحكمة بالغة تعجز العقول عن الإحاطة بكل أسرارها.

والحمد لله رب العالمين على كل حال، ونسأله سبحانه وتعالى الرحمة والمغفرة، والفردوس الأعلى من الجنة لجميع موتى المسلمين.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

في فلسفة الأثر وتداول الأيام: “لا تزرع في دربي شوكًا”

ا. محمد باجعفر ​تختزل عبارة “لا تزرع في دربي شوكًا، لعلك غدًا تأتيني حافيًا” فلسفةً عميقة في فهم طبائع البشر وتقلبات الزمان. إنها ليست مجرد تحذير يكتسي بوشاح العتاب، بل هي مراجعة أخلاقية مبكرة تُقَدَّم لمن يغتر بلحظة القوة أو يتوهم دوام الحال؛ فالحياة في جوهرها حركة متصلة ودائرة لا تتوقف، وما يُغرس اليوم على حفاف الطرقات، سنعيد المرور عليه حتمًا؛ إما سائرين في طمأنينة، وإما…

شكرًا للأمير والإمارة في جازان

  محمد الرياني عرس وطني للشعر بأدبي جازان. يرعى الأمير ، يوجه الأمير ، يشتعل العمل قبل اشتعال القصائد ، ويخضر المكان ، ولا صوت سيعلو فوق صوت القصائد . هكذا يبدو المشهد بل المشاهد في جمعية أدبي جازان في ظل مهرجان شعري لا يُشاهد مثل عنفوانه وألقه وازدحام الشعر والمشاعر فيه . وفي جازان التي يتوالد فيها الشعر مع كل جيل ، وفي كل وقت…

لقد فاتك ذلك

في فلسفة الأثر وتداول الأيام: “لا تزرع في دربي شوكًا”

في فلسفة الأثر وتداول الأيام: “لا تزرع في دربي شوكًا”

شكرًا للأمير والإمارة في جازان

شكرًا للأمير والإمارة في جازان

أنموذج السماء وامتداد الأرض

أنموذج السماء وامتداد الأرض

«ابتكارات مساعي» يختتم رحلته بتمكين المبتكرات وتحويل الأفكار إلى نماذج أولية

«ابتكارات مساعي» يختتم رحلته بتمكين المبتكرات وتحويل الأفكار إلى نماذج أولية

جمعية عروى تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96 بفعاليات مجتمعية متنوعة

جمعية عروى تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96 بفعاليات مجتمعية متنوعة

المجلس السعودي للجودة يحتفي باليوم العالمي للمعلم 2026 بالملتقى التاسع عشر

المجلس السعودي للجودة يحتفي باليوم العالمي للمعلم 2026 بالملتقى التاسع عشر

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode