الإنسان… حكاية يرويها التاريخ

 

بقلم أ. غميص الظهيري

ليس الإنسان مجرد اسم يُكتب في سجل المواليد، ولا رقم يُضاف إلى تعداد السكان، بل هو حكاية تبدأ مع أول صرخة ميلاد، وتنتهي مع آخر نفس، وبين البداية والنهاية تُكتب فصولها بأفعاله، وأقواله، ومواقفه، وأثره في الحياة. وكل إنسان، شاء أم أبى، يترك خلفه قصة يرويها التاريخ؛ إما له فتخلد ذكره، وإما عليه فتكون شاهدًا على ما اقترفت يداه.

يولد الإنسان صفحة بيضاء، نقية من الذنوب، مفعمة بالبراءة، ثم تبدأ الأيام في رسم ملامح شخصيته، وتبدأ اختياراته في كتابة سطور حكايته. فليس العمر هو ما يصنع قيمة الإنسان، وإنما ما يملأ به عمره من خير أو شر، ومن بناء أو هدم، ومن عطاء أو أنانية.

إن الحياة ليست بطول السنين، بل بعمق الأثر. فكم من إنسان عاش عقودًا طويلة ولم يترك وراءه سوى النسيان، وكم من آخر عاش سنوات قليلة، لكنه غرس في القلوب محبة، وفي العقول علمًا، وفي الأرض عملًا صالحًا، فصار ذكره خالدًا لا تمحوه الأيام.

والتاريخ لا يجامل أحدًا، فهو يسجل الوقائع كما هي، ويمنح كل إنسان ما يستحقه. فمن عاش للحق والعدل والإحسان، رفعه التاريخ في صفحات المجد، ومن جعل حياته ظلمًا وفسادًا وإفسادًا، بقي اسمه عبرة للأجيال. ولذلك فإن أعظم استثمار يملكه الإنسان ليس المال ولا الجاه، وإنما السيرة الحسنة التي تبقى بعد رحيله، والذكر الطيب الذي تردده الألسن بالدعاء والثناء.

إن الإنسان في هذه الدنيا مسافر، وما الدنيا إلا محطة قصيرة، يزود فيها نفسه بالأعمال التي سترافقه إلى دار البقاء. فلا يحمل معه عند الرحيل قصورًا ولا أموالًا، وإنما يحمل صحيفة أعماله، وما قدمه من خير أو شر. وقد قيل: **”يموت الإنسان مرة، لكن اسمه قد يحيا أبدًا بما صنع.”** وهذه حقيقة تؤكد أن الخلود الحقيقي ليس خلود الجسد، بل خلود الأثر.

ولعل أجمل ما يورثه الإنسان بعد موته هو أثر لا ينقطع: علمٌ ينتفع به، أو عملٌ صالح يستمر نفعه، أو خلقٌ كريم غرسه في الناس، أو يدٌ امتدت بالعون إلى محتاج، أو كلمةٌ أحيت في قلب إنسان أملًا كان على وشك الانطفاء. فالأعمال الصادقة لا تنتهي بانتهاء الأعمار، بل تمتد آثارها لتشهد لصاحبها كلما انتفع بها أحد.

ومن الحكمة أن يسأل الإنسان نفسه بين الحين والآخر: ماذا سيقول التاريخ عني إذا طُويت صفحة حياتي؟ هل سيذكر أنني كنت سببًا في إسعاد الناس، أم في إيذائهم؟ هل سأترك وراءي دعوات صادقة، أم خصومات وآلامًا؟ فهذه الأسئلة ليست دعوة للخوف، بل دعوة لمراجعة النفس قبل أن يصبح الماضي غير قابل للتغيير.

وفي النهاية، تبقى حقيقة لا يختلف عليها اثنان: أن الإنسان ليس بما يملك، بل بما يقدم، وليس بما يقول عن نفسه، بل بما تشهد به أعماله. فالسيرة الطيبة أعظم ميراث، والخلق الكريم أرفع منزلة، والعمل الصالح خير زاد.

فالإنسان بطبعه حكاية، والتاريخ هو الراوي، والضمير هو الكاتب، والأعمال هي الحروف التي لا تمحى. فاحرص أن تكون قصتك مما يُقرأ بفخر، ويُروى بخير، ويُذكر بالدعاء، لأن النهاية ليست آخر العمر، بل أول ما يخلده الأثر.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

الغيرة النرجسية

  جلد_للنفس_البشرية بين_الجنون_والقيود في دهاليز النفس البشرية المظلمة تنمو مشاعر وتتضخم حتى تتحول إلى كيانات مشوهة تلتهم الوعي ولعل أبرز هذه الكيانات ما يمكن تسميته بـالغيرة النرجسية إنها ليست مجرد رغبة في امتلاك ما يملكه الآخر أو شعور عابر بالقصور بل هي فلسفة عميقة من الهدم الذاتي وجلد مستمر للذات الإنسانية التي وقعت في فخ التمركز حول الأنا وتأرجحت بعنف بين جنون العظمة وقيود الواقع المرير……..…

من مواقف الشيخ ابن باز في تصحيح المفاهيم

  بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه في زمن تتسارع فيه العبارات وتتداول فيه المفاهيم دون تمحيص، تبرز أهمية ترسيخ العقيدة الصحيحة في النفوس، وتعزيز الوعي بأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق والمدبر، وأن ما في الكون من أسباب ونعم إنما هو من خلقه وتسخيره وتقديره. وتبقى المواقف التربوية للعلماء نماذج مضيئة في الجمع بين العلم الشرعي والتوجيه العملي. ومن المواقف التي تُروى في هذا…

لقد فاتك ذلك

افتتاح أشغال الورشة الإقليمية لشمال إفريقيا للجنة أجهزة الاستخبارات والأمن “سيسا” برئاسة الجمهورية العربية الصحراوية

افتتاح أشغال الورشة الإقليمية لشمال إفريقيا للجنة أجهزة الاستخبارات والأمن “سيسا” برئاسة الجمهورية العربية الصحراوية

الغيرة النرجسية

الغيرة النرجسية

من مواقف الشيخ ابن باز في تصحيح المفاهيم

من مواقف الشيخ ابن باز في تصحيح المفاهيم

سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء جمعية محاريب للعناية بالمساجد

سمو محافظ الأحساء يستقبل رئيس وأعضاء جمعية محاريب للعناية بالمساجد

المكتب التعريفي للمتقاعدين بمحافظة أبو عريش يعقد اجتماعه الدوري

المكتب التعريفي للمتقاعدين بمحافظة أبو عريش يعقد اجتماعه الدوري

المياه الوطنية تُنجز مشاريع منظومة الصرف الصحي بمحافظة بلجرشي بتكلفة تتجاوز 214 مليون ريال

المياه الوطنية تُنجز مشاريع منظومة الصرف الصحي بمحافظة بلجرشي بتكلفة تتجاوز 214 مليون ريال

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode