بقلم د / معدي حسين علي آل حيه
(الموجه الطلابي بتعليم عسير)
تمثل الإجازة السنوية فرصة ثمينة لإعادة ترتيب الأولويات واستثمار الوقت فيما يعود بالنفع على الفرد والأسرة والمجتمع، فهي ليست فترة للفراغ أو إهدار الساعات في اللهو والسهر، وإنما محطة للتجديد واستعادة النشاط، وبناء العلاقات الأسرية، وتنمية المهارات، وتعزيز القيم الإيمانية والعلمية.
ويؤكد المختصون في التربية أن الوقت يعد من أعظم النعم التي يملكها الإنسان، وأن حسن استثماره يصنع الفارق في حياة الأفراد، خاصة في مواسم الإجازات التي تتسع فيها مساحة الفراغ، وتزداد الحاجة إلى التخطيط الجيد للأنشطة والبرامج المفيدة.
وتبرز الأسرة بوصفها المستفيد الأول من الإجازة، إذ تمنح هذه الفترة الآباء والأمهات فرصة لتعويض انشغال العام الدراسي والوظيفي، من خلال تعزيز الحوار مع الأبناء، ومشاركتهم اهتماماتهم، والاقتراب من احتياجاتهم النفسية والاجتماعية، بما يسهم في تقوية الروابط الأسرية وترسيخ قيم المحبة والتفاهم داخل المنزل.
كما تشكل الرحلات المباحة والزيارات العائلية والبرامج الترفيهية الهادفة وسيلة مهمة لتجديد النشاط وإدخال السرور على أفراد الأسرة، شريطة أن تظل منضبطة بالقيم الإسلامية، بعيدة عن الإسراف أو الممارسات التي تفرغ الإجازة من أهدافها التربوية.
وتعد صلة الأرحام من أبرز الأعمال التي تستحق أن تحظى بمساحة واسعة خلال الإجازة، فهي تعزز التماسك الاجتماعي، وتغرس في نفوس الأبناء معاني البر والإحسان، وتربط الأجيال بتاريخها الأسري، في ظل انشغال كثير من الأسر طوال العام بأعمالها ودراستها.
وفي المقابل، يحذر التربويون من ترك الأبناء فريسة للفراغ أو الانشغال المفرط بالأجهزة الإلكترونية والألعاب الرقمية، مؤكدين أن الإجازة لا تعني التهاون في المحافظة على الصلاة أو التخلي عن المتابعة الأسرية، بل تستوجب حضورًا أكبر من الوالدين في توجيه الأبناء، ومعرفة رفقائهم، ومتابعة ما يشاهدونه ويقضون فيه أوقاتهم.
ويمثل طلب العلم أحد أفضل مجالات استثمار الإجازة، سواء من خلال الالتحاق بالدورات الشرعية، أو حلقات القرآن الكريم، أو البرامج العلمية، أو الدورات التقنية واللغوية التي تسهم في تنمية الشخصية، وصقل المهارات، وإعداد الشباب لمستقبل أكثر إنتاجية وعطاء.
وتوفر هذه البرامج بيئة تربوية آمنة تساعد الناشئة على استثمار أوقاتهم، وتكوين الصحبة الصالحة، وتنمية الوعي، واكتساب المعارف التي تنعكس إيجابًا على سلوكهم وحياتهم العلمية والعملية، إلى جانب حمايتهم من الانجراف خلف الفراغ أو رفقاء السوء.
ويؤكد المختصون أن النجاح الحقيقي للإجازة لا يقاس بعدد الرحلات أو ساعات الترفيه، وإنما بقدرة الأسرة على تحقيق التوازن بين الراحة والمتعة، وبين العبادة والعلم، وبين التواصل الأسري وتنمية القدرات، بما يجعل الإجازة موسمًا لصناعة الإنسان، وترسيخ القيم، واستثمار العمر فيما ينفع.









