في بيتنا لص

 

بقلم/ إبراهيم الموسى

لم أكن أتخيل يومًا أن يكون اللص قريبًا منا إلى هذا الحد، يدخل بيوتنا بهدوء، ولا نسمع له صوتًا، ولا نرى له أثرًا، لكنه في كل مرة يرحل وهو يحمل معه شيئًا ثمينًا لا نستطيع استعادته.

إنه ليس لصًا يسرق المال أو الممتلكات، بل لصٌ أخطر من ذلك؛ يسرق دفء اللحظات، ويأخذ من أعمارنا أجمل الأوقات، ويجعلنا نعيش معًا تحت سقف واحد، لكن كل شخص في عالمه الخاص.

أتذكر في يوم من الأيام عندما عدت إلى البيت بعد انشغال طويل، كنت أبحث عن تلك الجلسة التي كنت أعرفها قديمًا؛ حديثٌ يملأ المكان، وضحكاتٌ تجمع القلوب، وحكاياتٌ صغيرة تصنع أجمل الذكريات. لكنني وجدت الجميع حاضرًا بأجسادهم، وغائبين بأرواحهم، كل واحد منهم منشغل بشاشته.

في تلك اللحظة شعرت أن هناك شيئًا تغير، وأن ضيفًا ثقيلًا دخل حياتنا دون أن ندعوه. أدركت أن المشكلة ليست في الأجهزة نفسها، بل في المساحة التي أخذتها من وقتنا، وفي اللحظات التي كان من المفترض أن نمنحها لمن نحب.

لقد أصبحت الحياة أسرع، وأصبحنا نلاحق الكثير من الأشياء، حتى نسينا أن أجمل ما نملكه هو تلك الدقائق التي نجلس فيها مع أهلنا، نستمع إليهم، ونشعر بقربهم.

تعلمت أن البيت لا يحميه الباب المغلق فقط، بل تحميه المحبة، والاهتمام، والسؤال، والحضور الحقيقي. فالكلمة الطيبة قد تبني جسرًا بين القلوب، واللحظة الجميلة قد تبقى ذكرى لا تُنسى.

لذلك علينا أن ننتبه لهذا اللص الخفي قبل أن يسرق منا أجمل ما في بيوتنا. فالمال يمكن تعويضه، والأشياء يمكن شراؤها من جديد، لكن الوقت إذا مضى لن يعود، واللحظات التي فقدناها لن نستطيع استرجاعها.

فاحفظوا بيوتكم من اللصوص الذين لا يُرون قبل أن نجد أنفسنا غرباء في المكان الذي يفترض أن يكون أكثر الأماكن دفئًا وأمانًا.

همسة ختام:

قد لا نحتاج إلى الكثير حتى نسعد من نحب، ربما يكفي أن نضع هواتفنا جانبًا، ونمنحهم دقائق صادقة من وقتنا. فبعض القلوب لا تطلب منا شيئًا سوى أن نشعرها بأنها ما زالت في مقدمة اهتماماتنا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

رحلة بين المجاملة واللطف حين يبحران بوعي

ايمان المغربي – جدة في رحلة الحياة نحرص دائما على المحافظة على مشاعر من حولنا فالكلمة الطيبة والإهتمام بالآخرين قيم جميلة تجعل العلاقات أكثر دفئًا، وقرب. لكن أحيانًا قد نبالغ في المجاملة حتى تحمل سفينتنا ما يفوق قدرتها فنجد أنفسنا نوافق ونحن لا نريد ونمدح، ونحن لا نقتنع، ونعتذر رغم أننا لم نخطئ، ومع مرور الوقت قد نجد أننا نسير في طريق رسمه رضا الآخرين، وننسى…

الصيت ولا الغنى

  كتبه: دخلف بن أحمد الزهراني مستشار العلاقات العامة والاتصال “هيبة السمعة في ميزان الشرع وصفاء النفس” ​جرى على ألسنة الناس قديماً المثل الشهير “الصيت ولا الغنى”، تعبيراً عن قيمة الذكر الحسن والسمعة الطيبة، وتقديمها أحياناً على بحبوحة المال وثرواته. وحين نتأمل هذا المثل بعين الفاحص المتأني، نجده يلامس أوتاراً حساسة في الشريعة الإسلامية والأخلاق الاجتماعية، متجاوزاً حدود التراث الشعبي إلى جذور أصيلة من التوجيه الإلهي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

الأكاديمية العربية توقع بروتوكولاً مع الاتحاد العربي لوسائل الإعلام لتطوير المحتوى الرقمي

الأكاديمية العربية توقع بروتوكولاً مع الاتحاد العربي لوسائل الإعلام لتطوير المحتوى الرقمي

وزارة البيئة تنظم ورشة عمل لتعزيز التحول الرقمي في منصة بلدي

وزارة البيئة تنظم ورشة عمل لتعزيز التحول الرقمي في منصة بلدي

رحلة بين المجاملة واللطف حين يبحران بوعي

رحلة بين المجاملة واللطف حين يبحران بوعي

اختتام البرنامج التدريبي المكثف لتأهيل الكفاءات الوطنية ضمن مستهدفات مصنع إرث النخيل

اختتام البرنامج التدريبي المكثف لتأهيل الكفاءات الوطنية ضمن مستهدفات مصنع إرث النخيل

الصيت ولا الغنى

الصيت ولا الغنى

في بيتنا لص

في بيتنا لص

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode