حديثٌ لا تُترجِمه الحروف

الأستاذ / عبد الله شراحيلي

هناك لغاتٌ يتعلّمها الإنسان منذ طفولته، ولغاتٌ يكتسبها مع الأيام، لكن تبقى أصدق اللغات تلك التي لا تُدرَّس في المدارس، ولا تُكتَب في الكتب، ولا تحتاج إلى لسانٍ ينطق بها. إنها لغة القلب؛ ذلك الحديث الخفي الذي تعجز الحروف عن احتوائه، وتفشل الأبجدية في رسم ملامحه.

حديث القلب ليس كلماتٍ تُقال، بل مشاعرُ تُعاش. قد يجلس شخصان في صمتٍ تام، وبينهما من الحوار ما تعجز عنه ساعاتٌ من الكلام. نظرةٌ عابرة، وابتسامةٌ صادقة، أو تنهيدةٌ خرجت من أعماق الروح، قد تحمل من المعاني ما لا تحمله آلاف الجمل المنمقة.

ولعل أجمل ما في حديث القلوب أنه لا يعرف حدود الزمان ولا المكان. فقد يلتقي قلبان لم يجمعهما لقاء، لكن الأرواح تعرف طريقها كما تعرف الطيور مواسم هجرتها. تشعر بأن هناك روحًا تُشبه روحك، وإن فرّقت بينكما المسافات، وكأن المودة بريدٌ خفيّ لا تعوقه الجغرافيا، ولا توقفه الأيام.

حديث القلب لا عمر له، ولا اسم، ولا عنوان. يولد حين يشاء الله، وينمو على الصدق، ويذبل حين تتسلل إليه المصالح والأقنعة. إنه ذلك النور الذي يضيء في الداخل دون أن يراه أحد، وتلك الطمأنينة التي تهبط على النفس بلا سببٍ ظاهر، فتدرك أن الأرواح تتخاطب بلغةٍ أودعها الله فيها منذ الأزل.

وأحيانًا، يأتي حديث القلب على هيئة طيفٍ يزور الذاكرة مع المساء، أو نسمةٍ تحمل رائحة الغائبين، أو موجةٍ تعانق الشاطئ ثم تعود إلى البحر وكأنها تحمل رسالةً لم تُقرأ. وربما يكون في دعوةٍ صادقة خرجت من قلبٍ محب، أو دمعةٍ سالت خفيةً شوقًا لمن يسكن الروح.

وليس كل من يتحدث يجيد لغة القلب، فالكلمات قد تُزيَّن، والعبارات قد تُتقن، لكن القلب لا يعرف الزيف. إنه يقرأ النيات قبل العبارات، ويشعر بالصدق قبل أن تسمعه الأذن. لذلك قيل إن القلوب مرايا، ترى ما وراء الوجوه، وتدرك ما تخفيه الملامح.

إنها نعمةٌ عظيمة أن يرزقك الله قلبًا يشعر، وروحًا تُحسن الإصغاء إلى ذلك الحديث الصامت. فالعالم اليوم امتلأ بالأصوات، لكنه افتقر إلى الإنصات، وكثرت فيه الكلمات، وقلّت فيه المشاعر الصادقة.

في النهاية، يبقى حديث القلب هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج إلى ترجمان، لأنها خُلقت من نور الفطرة، وغُرست في أعماق الإنسان برحمة الخالق سبحانه. فإذا صدقت القلوب، التقت الأرواح، وإن باعدت بينها الطرق، وإذا أحب الله لقاء روحين، جعل بينهما حديثًا لا يسمعه أحد… لكنه يُحيي القلب، ويترك في العمر أثرًا لا يمحوه الزمن.

الكاتب الصحفي عبدالله شراحيلي ابو يحى

صدى نيوز اس 1

Related Posts

إلى ملهمتي التي جاءت إلى القلب دون استئذان

ا. محمد باجعفر لا أعرف متى تحوّل حضورك من مجرد حضورٍ عابر إلى شيءٍ يشبه الضوء في داخلي؛ كل ما أعرفه أنني كلما كتبت، وجدتكِ بين السطور، وكلما بحثت عن عبارةٍ تشبه الجمال، مرّ طيفكِ في خاطري. أنتِ لستِ امرأةً أكتب عنها فحسب، بل امرأةٌ تكتب نفسها في داخلي دون أن تشعر… في تفاصيل يومي، في هدوء المساء، وفي تلك اللحظات التي أجلس فيها وحيدًا فأكتشف…

اليوم الوطني المجيد تذكرًا وتذكيرًا وشكرًا ودعاء 

سيدة الاعمال هويدا سمسم :جدة:- بسم الله وعلى بركة الله راية توحيد ترفرف لا اله الا الله محمد رسول الله 96 عام قصة مملكة ملك وملوك وامراء وابناء ملك وولي عهد وبناء /96 عام ولاء يتردد وبيعة تتجدد قصة مملكة 96 عام تحكي سيرة صقور جارحة جبال شامخة 96 عام تحكي مسيرة دولة رجالها كبيرها وصغيرها نساء وابناء يشارك البناء شعب يغرد دام عزك ياوطن دام…

لقد فاتك ذلك

أحمد سعد يتوج بجائزة النجم العربي الجماهيري في Murex d’Or 2026

أحمد سعد يتوج بجائزة النجم العربي الجماهيري في Murex d’Or 2026

إلى ملهمتي التي جاءت إلى القلب دون استئذان

إلى ملهمتي التي جاءت إلى القلب دون استئذان

اليوم الوطني المجيد تذكرًا وتذكيرًا وشكرًا ودعاء 

اليوم الوطني المجيد تذكرًا وتذكيرًا وشكرًا ودعاء 

صلالة تتأهب لإطلاق الدورة الثانية لـ «مهرجان ظفار السينمائي الدولي» الأحد المقبل

صلالة تتأهب لإطلاق الدورة الثانية لـ «مهرجان ظفار السينمائي الدولي» الأحد المقبل

أمانة جدة تضبط أنشطة عشوائية بالمحجر 3 أطنان من الأغذية و275 دجاجة في مسالخ مخالفة

أمانة جدة تضبط أنشطة عشوائية بالمحجر 3 أطنان من الأغذية و275 دجاجة في مسالخ مخالفة

«مقر للأعمال» تطلق حملة «خلّي لك في أبحر مقر» لتعزيز مجتمع الأعمال في شمال جدة

«مقر للأعمال» تطلق حملة «خلّي لك في أبحر مقر» لتعزيز مجتمع الأعمال في شمال جدة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode