عندما يظن البعض أن التحالفات تُبنى بضغطة زر

 

بقلم: أحمد علي بكري

يعتقد البعض أننا نعيش في عالم إلكتروني تُبنى فيه الصفقات، وتُعقد فيه التحالفات العسكرية الكبرى بمجرد ضغطة زر، وكأن القرارات الاستراتيجية التي تغيّر موازين القوى تصدر في الصباح وتتحول إلى عمليات عسكرية مكتملة في المساء. بل إن بعضهم يتخيل أن الأساطيل البحرية العملاقة تنتقل من قواعدها إلى مسارح العمليات كما في أفلام الخيال العلمي، أو بطريقة “التليبورت” التي تظهر في الأفلام والمسلسلات، دون أن يدرك أن الواقع العسكري يختلف تمامًا عن الخيال، وأن بناء أي تحالف دولي يحتاج إلى أشهر من العمل السياسي والعسكري والدبلوماسي واللوجستي حتى يصل إلى مرحلة التنفيذ الكامل. ومن هذا المنطلق جاءت المبادرة السعودية لإنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات، وهي خطوة استراتيجية تعكس رؤية المملكة في الانتقال من مرحلة حماية أمنها الوطني فقط إلى المساهمة في صناعة الأمن الإقليمي والدولي، خصوصًا في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وهي من أهم الممرات البحرية في العالم، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، وأي اضطراب فيها ينعكس على الاقتصاد العالمي بأسره. ولهذا فإن المملكة لم تتحرك بردة فعل مؤقتة، بل أطلقت مشروعًا استراتيجيًا طويل المدى يقوم على توحيد الجهود العسكرية للدول المشاركة، وتعزيز تبادل المعلومات الاستخباراتية، ورفع مستوى التنسيق البحري، وحماية الملاحة الدولية من التهديدات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية. وخلال الإعلان عن المبادرة، استضافت المملكة اجتماعًا شاركت فيه وفود عسكرية من عشرات الدول، حيث أُعلن استكمال الإجراءات التأسيسية للتحالف، مع تأكيد أن المملكة ستكون مقر القيادة، وأن العمل جارٍ لاستكمال انضمام الدول المشاركة وفق الإجراءات التنظيمية والعسكرية لكل دولة. وتشمل الدول التي أعلنت دعمها أو مشاركتها في مراحل التأسيس المملكة العربية السعودية، ومصر، والأردن، والبحرين، والكويت، وقطر، وتركيا، وباكستان، وجيبوتي، والسودان، والصومال، وبنغلاديش، ونيجيريا، والحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، فيما حضرت دول أخرى الاجتماعات التأسيسية وتواصل دراسة الانضمام وفق إجراءاتها الداخلية. وهذا وحده كافٍ لإثبات أن المشروع ليس بيانًا إعلاميًا عابرًا، بل تحالفًا يجري بناؤه وفق أسس عسكرية احترافية. ومع ذلك، خرجت أصوات تسخر وتستهزئ لأنها لم تشاهد الأساطيل تتحرك في اليوم التالي للإعلان، وكأنهم يظنون أن حاملات الطائرات والمدمرات والفرقاطات والغواصات تُنقل من مكان إلى آخر بعصا سحرية أو كما في أفلام الخيال العلمي. هؤلاء لا يدركون أن أي عملية انتشار بحري واسعة تتطلب تخطيطًا دقيقًا، وجدولة لتحركات القطع البحرية، وتأمينًا للإمداد والتموين، وربطًا لأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، وتنسيقًا بين القوات البحرية والجوية، وتبادلًا للمعلومات الاستخباراتية، وإجراء تدريبات مشتركة، وتوحيد قواعد الاشتباك، وهي إجراءات تحتاج إلى وقت حتى تصل إلى أعلى درجات الكفاءة. الدول المحترفة لا تستعرض قوتها بالضجيج الإعلامي، وإنما تبنيها بصمت ثم تُظهر نتائجها عندما يحين الوقت المناسب. والسعودية أثبتت مرارًا أنها لا تعتمد على الشعارات ولا على الاستعراض الإعلامي، وإنما تعمل وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى، ولذلك فإن من يظن أن المملكة تبحث عمن يحميها لا يفهم حقيقة هذا المشروع، فالسعودية هي صاحبة المبادرة، وهي من يقود التحالف، وهي من تستضيف مقره، وهي التي تجمع الدول حول رؤية مشتركة لحماية أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وهذا هو الفرق بين الدولة التي تقود، والدولة التي تنتظر الآخرين ليقودوها. ولذلك أقول لكل المشككين، ولكل الساخرين، ولكل أذناب المشاريع التي لا تريد للمنطقة الاستقرار: واصلوا السخرية والضحك إن كان ذلك يخفف عنكم صدمة ما ستشاهدونه لاحقًا، فالسعودية اعتادت أن يكون ردها على أرض الواقع لا عبر منشورات وسائل التواصل الاجتماعي، وعندما تبدأ نتائج هذا التحالف بالظهور ستكتشفون أن ما كنتم تسخرون منه كان يُبنى بصمت واحترافية. وحينها ستدركون أن السياسة ليست تغريدة، وأن الأمن ليس هاشتاقًا، وأن التحالفات العسكرية لا تُقاس بسرعة البيانات، بل بقدرتها على تحقيق أهدافها. أما أنتم، فقد اخترتم السخرية قبل اكتمال المشهد، فلا ترتدوا ثوب المظلومية عندما تجدون أن الواقع قد تجاوز توقعاتكم، وأن فاتورة الاستهزاء قد حان وقت سدادها، فالحقائق على الأرض لا يمكن حجبها بضجيج المنصات، والإنجازات لا تحتاج إلى تصفيق المشككين حتى تصبح حقيقة.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

جفاء الأبناء.. حين يشعر الأب بالغربة داخل بيته

بقلم: صالح الزهراني قد يجلس الأب في بيته محاطًا بأبنائه ومع ذلك يشعر بالوحدة يراهم أمامه لكنه يفتقد حديثهم واهتمامهم وينتظر سؤالًا صادقًا عن حاله أو جلسةً تمنحه الشعور بقربهم. ولعل أشد ما يؤلمه أن يتحول وجوده في حياتهم إلى أمر معتاد بينما تتراجع مساحة الحوار والمودة بينهم. يتخذ جفاء الأبناء صورًا قد تبدو بسيطة في ظاهرها: انشغال دائم بالهاتف أثناء الجلوس وإجابات مقتضبة تنهي الحديث…

فلاسفة منصات التواصل الاجتماعي..إلى متى هذا الهراء؟

دكتور_حسن_الأمير في زمن مضى كان المنبر حكرًا على من أفنى عمره بين دفتي كتاب ونحت فكرة في صوامع البحث فكانت الكلمة تخرج مسبوكة بماء الذهب لا تنطق إلا عن وعي ولا تصدر إلا عن حكمة…… أما اليوم فما عليك إلا أن تفتح نافذة زجاجية صغيرة في هاتفك المحمول وتلتقط أنفاسك أمام عدسة صامتة لتسكب في وجه الوعي البشري حكماً معلبة ونظريات مشوهة صنعت على عجل لتناسب…

لقد فاتك ذلك

«تكامل القابضة» تستضيف رواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة لتعزيز مشاركتهم في تطوير خدماتها

«تكامل القابضة» تستضيف رواد الأعمال وأصحاب المنشآت الصغيرة والمتوسطة لتعزيز مشاركتهم في تطوير خدماتها

مدير عام تعليم الطائف يزور مدارس الموهوبين ويشارك الطلاب يومهم الدراسي 

مدير عام تعليم الطائف يزور مدارس الموهوبين ويشارك الطلاب يومهم الدراسي 

“بيئة وثانوية رابغ بالتعاون مع رنف الخضراء يصنعون بيئة تعليمية خضراء”

“بيئة وثانوية رابغ بالتعاون مع رنف الخضراء يصنعون بيئة تعليمية خضراء”

بيع صقرين بـ(304) آلاف ريال في مزاد المركز الوطني للصقور 2026

بيع صقرين بـ(304) آلاف ريال في مزاد المركز الوطني للصقور 2026

صقار يطرح أول صقرٍ في حياته ويبيعه بـ163 ألف ريال في مزاد المركز الوطني للصقور

صقار يطرح أول صقرٍ في حياته ويبيعه بـ163 ألف ريال في مزاد المركز الوطني للصقور

بيع ثلاثة صقور بـ 580 ألف ريال في الليلة الـ 12 من ليالي مزاد المركز الوطني للصقور 2026

بيع ثلاثة صقور بـ 580 ألف ريال في الليلة الـ 12 من ليالي مزاد المركز الوطني للصقور 2026

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode