بقلم:أحمد علي بكري
استضافت المكتبة الرئيسية ببيت الثقافة بجازان مساء الأمس الأربعاء الأديب والكاتب والناقد والشاعر السعودي علي الأمير، ضمن فعاليات «معسكر صيفية كاتب»، في لقاء حمل عنوان «لقاء مع كاتب وتجارب ممتعة»، وشهد حوارًا أدبيًا ونقديًا تناول عددًا من القضايا المرتبطة بالمناهج النقدية والمدارس الأدبية وتطورها التاريخي، إلى جانب تجربة الضيف ومسيرته في الكتابة والإبداع والنقد.
ويعد علي الأمير من الأسماء الأدبية البارزة في المشهد الثقافي السعودي، إذ بدأ رحلته الأدبية منذ عام 1985م، وكتب في الشعر والنثر والنقد والرواية وأدب الرحلات، كما شارك في العديد من الأمسيات والفعاليات الأدبية داخل المملكة وخارجها. وحصل عام 1988م على المركز الأول على مستوى المملكة في مسابقة القصة القصيرة التي نظمتها الرئاسة العامة لرعاية الشباب، فيما فازت مجموعته الشعرية الأولى «بوصلة واحدة لا تكفي» بالمركز الأول مناصفة في مسابقة نادي جازان الأدبي عام 1992م.
وتنوع إنتاج الأمير بين الشعر، ومنه «بوصلة واحدة لا تكفي» و**«أرح جوادك»، والدراسات النقدية ومنها «أسارير البلاد»، وأدب الرحلات في كتاب «صنعاء»، إضافة إلى الرواية من خلال «غصون» و«قاع اليهود»، إلى جانب كتاب «أهل المغنى: المغنى حياة الروح». كما حظيت تجربته الشعرية والنقدية باهتمام عدد من الباحثين والنقاد، وأدرجت سيرته ضمن قاموس الأدب والأدباء الصادر عن دارة الملك عبدالعزيز.
وفي الجانب النقدي، عرف الأمير باشتغاله على قراءة النصوص ومناقشة قضايا الشعر والنقد، وسبق أن قدم قراءات نقدية أثارت نقاشًا واسعًا حول طبيعة النقد الأدبي وحدوده ومناهجه، مؤكدًا في إحدى مناقشاته المنشورة أن هناك فرقًا بين النقد بوصفه ممارسة وقراءة للنصوص والأعمال الأدبية والفنية، وبين النقد بوصفه تنظيرًا يدرس النظريات والمدارس والاتجاهات النقدية وتاريخها.
وخلال لقاء الليلة، انتقل الأمير إلى محور المناهج والمدارس الأدبية، موضحًا الفروق بين المصطلحين، وما يترتب على الخلط بينهما في دراسة النصوص؛ فـالمنهج** يرتبط بالطريقة والأدوات التي يعتمدها الباحث أو الناقد في مقاربة النص وتحليله، بينما تشير المدرسة إلى اتجاه فكري أو نقدي تتشكل حوله مجموعة من التصورات والمبادئ والممارسات التي تجمع أصحابها رؤية مشتركة.
وتوقف اللقاء عند المراحل التاريخية لتشكل الفكر النقدي والأدبي، مع استحضار جذور التعامل مع النص والشعر في التراث العربي منذ ما قبل الإسلام، حين كانت المفاضلة بين الشعراء وتقويم القول الشعري وإدراك جودة اللفظ والمعنى والصياغة حاضرة في البيئة الأدبية، قبل أن تتطور هذه الممارسات لاحقًا مع نشوء علوم اللغة والبلاغة والنقد، وتتحول من أحكام ذوقية وتجارب نقدية متفرقة إلى مباحث أكثر انتظامًا وتأصيلًا.
كما تناول الأمير تطور الدرس النقدي العربي عبر مراحله المختلفة، وصولًا إلى العصر الحديث، وما شهدته الساحة الأدبية من انتقالات كبرى في النظر إلى النص، ومن بينها التحول من التركيز على قضايا مثل اللفظ والمعنى وعمود الشعر والسرقات الأدبية في النقد القديم، إلى قضايا ومفاهيم جديدة في النقد الحديث والمعاصر تتصل بالبنية والأسلوب واللغة والذات والمتلقي والسياق والثقافة. وهذه القضايا سبق للأمير أن تناول بعض جوانبها في نقاشات نقدية منشورة.
ومن المحاور اللافتة في حديثه، التوقف عند فرديناند دي سوسير ودوره في التحول الذي شهدته الدراسات اللغوية والنقدية الحديثة؛ إذ مثّل التصور اللساني الذي ارتبط باسمه نقطة مرجعية مهمة في تطور البنيوية، وما تلاها من مناهج واتجاهات استفادت من النظر إلى اللغة بوصفها نظامًا من العلاقات، الأمر الذي انعكس بصورة واسعة على دراسة الأدب والنص.
كما ناقش اللقاء الفرق الدلالي والمنهجي بين مصطلحي «المناهج الحديثة» و«المناهج المعاصرة»، موضحًا أن الحداثة النقدية تشير في سياقاتها الاصطلاحية إلى التحولات التي أسست لمرحلة جديدة في دراسة الأدب، بينما ارتبط مفهوم المعاصرة بمناهج واتجاهات أحدث جاءت في سياقات فكرية وثقافية متأخرة، وتجاوزت بعض المسلمات التي قامت عليها المناهج السابقة، بما أفضى إلى تعدد زوايا قراءة النص وتنوع أدواته.
ولم يقتصر اللقاء على استعراض أسماء المناهج واتجاهاتها، بل اتجه إلى تاريخ تشكلها، والسياقات الفكرية التي أنتجتها، وتأثيرها في طريقة قراءة الأدب العربي، مع التأكيد على أن النص الأدبي ظل يتغير بتغير الأسئلة التي يطرحها الناقد عليه، وأن المنهج ليس غاية في ذاته، وإنما أداة لفهم النص والكشف عن بنياته ودلالاته وعلاقاته.
ويأتي هذا اللقاء ضمن الفعاليات الثقافية التي تتيح للكتاب والمبدعين تقديم تجاربهم ومناقشة قضايا الكتابة والنقد أمام القراء والمهتمين، بما يعزز حضور الحوار الأدبي في المشهد الثقافي بجازان، ويمنح المهتمين فرصة للوقوف على تجربة أحد أبناء المنطقة الذين امتدت تجربتهم الأدبية لأكثر من أربعة عقود.
يُذكر أن علي الأمير حاصل على بكالوريوس اللغة العربية تخصص أدب من كلية اللغة العربية بجامعة أم القرى عام 1987م، كما درس الدراسات الأدبية الحديثة في مرحلة تمهيدية للماجستير بجامعة صنعاء قبل توقف الدراسة، إلى جانب تجربته الطويلة في التعليم والصحافة والعمل الثقافي.








