«ماذا أقول له؟»

 

بقلم د معدي حسين علي آل حيه

ماذا أقول له؟.. حين يتحول الخوف من النهاية إلى بداية جديدة

في لحظةٍ قد لا تتجاوز دقائق، يمكن للإنسان أن يرى حياته كلها أمام عينيه، وأن يكتشف أن ما كان يظنه متعةً ولهواً لم يكن سوى طريقٍ يقوده بعيدًا عن الله، وأن أقسى الأسئلة ليست تلك التي يطرحها الناس عليه، بل ذلك السؤال الذي يواجه به نفسه عندما يخلو بها: ماذا سأقول لله؟

تروي هذه القصة حكاية شاب عاش فترةً من حياته في غفلةٍ وانحراف، برفقة مجموعة من أصدقائه، حتى أصبح العبث والمعصية جزءًا من يومياتهم. كانوا يستدرجون الفتيات بالكلام المعسول، ويأخذونهن إلى أماكن بعيدة، ثم يرتكبون من الآثام ما أضعف قلوبهم وأطفأ في نفوسهم مشاعر الخوف من الله.

كانوا يظنون أن الحياة مستمرة، وأن أمامهم متسعًا من الوقت للتوبة والرجوع.

لكنهم لم يدركوا أن الإنسان قد يكون على موعد مع لحظة تغيّر حياته إلى الأبد.

وفي إحدى الليالي، خرج أحد أصدقائهم لشراء الطعام، وتأخر عن العودة. ومع مرور الساعات، بدأ القلق يتسلل إلى نفوسهم، فانطلق أحدهم للبحث عنه.

وفي الطريق، رأى ألسنة النار تتصاعد من سيارة انقلبت على جانب الطريق.

اقترب مسرعًا، فإذا بها سيارة صديقه.

حاول إنقاذه، فوجده مصابًا إصابات بالغة، وقد التهمت النيران جزءًا كبيرًا من جسده، لكنه كان لا يزال على قيد الحياة.

حمله بعيدًا عن السيارة، وحاول مساعدته، فإذا بصديقه يفتح عينيه ويهذي بكلمات متقطعة:

«النار… النار»

حاول إنقاذه ونقله إلى المستشفى، إلا أن حالته كانت حرجة جدًا، وفي لحظاته الأخيرة بدأ يردد بصوتٍ يملؤه الخوف:

«ماذا أقول له؟ ماذا أقول له؟»

سأله صاحبه، وقد غلبه الذهول:

«من هو؟»

فجاءت الإجابة التي هزت كيانه:

«الله…»

ثم فارق صديقه الحياة.

لم تنته القصة عند ذلك المشهد؛ فقد بقيت الكلمات تتردد في ذهن الشاب: «ماذا أقول له؟»

ومع مرور الأيام، تحولت تلك العبارة إلى سؤال يوجهه إلى نفسه:

وأنا… ماذا سأقول له؟

كانت تلك اللحظة بداية التحول.

وبينما كان يعيش صراعًا داخليًا، سمع نداء المؤذن لصلاة الفجر: «الله أكبر»، فشعر وكأن النداء يوقظ قلبًا ظل سنواتٍ غارقًا في الغفلة.

توضأ واغتسل، وأقبل على الصلاة، وقرر أن يطوي صفحة الماضي، وأن يبدأ حياة جديدة مع الله.

وهنا تكمن الرسالة الأهم في القصة: أن الإنسان مهما ابتعد، فإن باب التوبة مفتوح، وأن لحظة الندم الصادق قد تكون بداية الطريق إلى الهداية.

لكن العاقل لا ينتظر حادثًا يهزه، ولا موت قريبٍ يوقظه، ولا لحظة خوفٍ تدفعه إلى مراجعة حساباته.

فالحياة أقصر من أن تُستهلك في المعاصي، والعمر أسرع من أن يُهدر في الغفلة، والموت لا يستأذن أحدًا.

ولذلك ينبغي لكل إنسان أن يقف مع نفسه وقفة صدق، ويسألها قبل فوات الأوان:

إذا وقفت بين يدي الله اليوم… ماذا سأقول له؟

إنه سؤال لا يحتاج إلى إجابةٍ باللسان، وإنما يحتاج إلى إجابةٍ بالأعمال.

فمن وجد في حياته ذنبًا فليبادر بالتوبة، ومن وجد تقصيرًا فليصلحه، ومن ترك صلاة فليعد إلى الصلاة، ومن أسرف على نفسه فليحسن الظن بربه، وليعلم أن التوبة الصادقة تمحو ما قبلها بإذن الله.

لا تنتظر أن تأتيك لحظة النهاية حتى تبدأ حياة الاستقامة؛ ابدأ الآن، قبل أن يصبح السؤال: «ماذا أقول له؟» سؤالًا لا تملك بعده فرصة للعمل.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

وجهٌ واحد قد يُعيد للقلب نبضه… لماذا نسعد حين نرى من نحب؟

عبدالله شراحيلي ابو يحى هناك وجوهٌ لا تمرّ على العين مرورًا عابرًا، بل تعبر إلى مكانٍ أعمق بكثير… إلى القلب. وجوهٌ يكفي أن نلمحها حتى نشعر بأن شيئًا في داخلنا قد استقام، وأن ضجيج العالم خفت قليلًا، وأن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت تحتفظ لنا بشيء جميل. ولعل من أعظم أسرار السعادة أن ترى وجهًا تحبه. ليس لأن ملامحه أجمل الوجوه بالضرورة، وإنما لأن…

الكلمة الطيبة: حين تتحول الكلمات إلى أثر يسكن من حولك

  بقلم: أحمد علي بكري توقفتُ ذات مساء عند عبارات قرأتها على منصة فيسبوك، كانت قد وصلتني عبر رسالة خاصة من أحد الأصدقاء، ولم تكن في ظاهرها سوى كلمات تتحدث عن الكلمة الطيبة، لكنني حين قرأتها أكثر من مرة شعرت أن وراء بساطتها سؤالًا أكبر بكثير من مجرد الدعوة إلى انتقاء الألفاظ الجميلة. جاء فيها: «الكلمة الطيبة جوهرة ثمينة، تسحر العقول بحسن الأخلاق، وتفتح القلوب بالمودة.…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

برعاية سمو أمين منطقة الرياض.. موسم عتيقة للتمور يعود بنسخته الخامسة لتعزيز اقتصاديات التمور ودعم المنتج المحلي

برعاية سمو أمين منطقة الرياض.. موسم عتيقة للتمور يعود بنسخته الخامسة لتعزيز اقتصاديات التمور ودعم المنتج المحلي

صيف جدة.. شواطئ رائعة وتجارب متنوعة ووجهات تناسب كل الأذواق

صيف جدة.. شواطئ رائعة وتجارب متنوعة ووجهات تناسب كل الأذواق

رغدان.. أشجار العرعر مظلات طبيعية ومشروعات تنسجم مع هوية المكان

رغدان.. أشجار العرعر مظلات طبيعية ومشروعات تنسجم مع هوية المكان

وجهٌ واحد قد يُعيد للقلب نبضه… لماذا نسعد حين نرى من نحب؟

وجهٌ واحد قد يُعيد للقلب نبضه… لماذا نسعد حين نرى من نحب؟

أسر عناصر حوثية في جبهة الكريبات شرق مدينة تعز

أسر عناصر حوثية في جبهة الكريبات شرق مدينة تعز

الكلمة الطيبة: حين تتحول الكلمات إلى أثر يسكن من حولك

الكلمة الطيبة: حين تتحول الكلمات إلى أثر يسكن من حولك

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode