وجهٌ واحد قد يُعيد للقلب نبضه… لماذا نسعد حين نرى من نحب؟

عبدالله شراحيلي ابو يحى

هناك وجوهٌ لا تمرّ على العين مرورًا عابرًا، بل تعبر إلى مكانٍ أعمق بكثير… إلى القلب.

وجوهٌ يكفي أن نلمحها حتى نشعر بأن شيئًا في داخلنا قد استقام، وأن ضجيج العالم خفت قليلًا، وأن الحياة، رغم كل ما فيها، ما زالت تحتفظ لنا بشيء جميل.

ولعل من أعظم أسرار السعادة أن ترى وجهًا تحبه.

ليس لأن ملامحه أجمل الوجوه بالضرورة، وإنما لأن القلب حين يحبّ شخصًا ما، يمنح ملامحه معنى لا يستطيع الآخرون رؤيته. فالعين ترى وجهًا، أما القلب فيرى حكاية كاملة.

يرى في العينين أيامًا مضت، وفي الابتسامة ذكريات لا تُنسى، وفي الصوت أمانًا افتقدناه طويلًا، وفي الحضور طمأنينة لا تُشترى.

ولهذا قد تجلس أمام من تحب دون أن تقول شيئًا، ومع ذلك تشعر أنك تحدثت كثيرًا.

فبين المحبين لغة لا تحتاج إلى حروف؛ لغة تصنعها النظرات، وتفهمها الأرواح، وتترجمها دقات القلب.

كم من إنسان كان يومه مثقلًا بالهموم، ثم رأى وجهًا يحبه، فابتسم دون أن يعرف لماذا!

وكأن القلب يقول له: ها هو الشيء الذي كنت تبحث عنه… ها هو الأمان الذي افتقدته طوال اليوم.

إن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الحلول حين يتعب، بل يبحث أحيانًا عن شخص يشعر معه أن التعب ليس مخيفًا.

ولهذا يصبح وجه من نحب ملجأً صغيرًا للروح.

ننظر إليه، فتتراجع مساحة الحزن قليلًا.

نبتسم له، فتتسع مساحة الفرح.

نصمت أمامه، فيصبح الصمت حديثًا.

وربما لهذا السبب تحديدًا نشتاق إلى بعض الأشخاص حتى في أكثر أيامنا انشغالًا؛ لا لأننا نريد منهم شيئًا، وإنما لأن حضورهم يمنح أرواحنا شعورًا لا يمنحه سواهم.

إنها السعادة التي لا تُشترى، ولا تُطلب، ولا تحتاج إلى موعد.

يكفي أن تفتح عينيك، فتجد من تحب أمامك.

والأجمل أن الحب الحقيقي لا يتوقف عند جمال الملامح؛ فالعمر يمضي، والوجوه تتغير، والشعر يشيب، والتفاصيل التي كانت في بدايات العمر تتبدل… لكن المحب الصادق لا يرى تلك التغيّرات كما يراها الآخرون.

إنه يرى الشخص نفسه الذي أحبّه ذات يوم.

يرى قلبه قبل وجهه، وروحه قبل ملامحه، وذكرياته قبل عمره.

ولهذا قد يصبح وجهٌ عادي في نظر الجميع، أجمل وجه في العالم بالنسبة إلى إنسان واحد.

فالجمال أحيانًا لا يسكن في الملامح… بل في المشاعر التي تسكننا حين نرى تلك الملامح.

وما أروع أن يكون في حياتك إنسانٌ تستطيع أن تنظر إلى وجهه فتشعر أنك وصلت إلى المكان الذي لا تحتاج فيه إلى الدفاع عن نفسك، ولا شرح حزنك، ولا إخفاء ضعفك.

إنسانٌ يكفي وجوده ليقول لقلبك:

“لا تقلق… أنا هنا.”

لذلك لا تؤجلوا النظر إلى من تحبون، ولا تبخلوا عليهم بالابتسامة، ولا تجعلوا مشاغل الحياة تسرق منكم تلك اللحظات الصغيرة التي قد تكون، في الحقيقة، أجمل ما تبقى في الذاكرة.

انظر إلى من تحب وكأنك تراه للمرة الأولى.

تأمل عينيه.

ابتسم لوجهه.

احفظ تفاصيله جيدًا.

فالأيام لا تمنحنا ضمانًا بأن كل الوجوه التي نحبها ستبقى أمام أعيننا إلى الأبد.

وقد يأتي يومٌ نتمنى فيه لو أننا أطلنا النظر قليلًا…

ولو أننا ابتسمنا أكثر…

ولو أننا قلنا لمن نحب:

“وجودك في حياتي كان أحد أجمل أسباب سعادتي.”

فبعض الوجوه لا تُرى بالعين وحدها…

إنها تُرى بالقلب، وتسكن الذاكرة، وتصبح جزءًا من معنى الحياة.

وفي النهاية، ربما لا تكون السعادة دائمًا بيتًا واسعًا، ولا مالًا كثيرًا، ولا رحلةً بعيدة…

ربما تكون السعادة أبسط من ذلك بكثير:

أن ترفع عينيك ذات مساء، فتجد وجهًا تحبه أمامك… فيبتسم قلبك قبل أن تبتسم شفتاك.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

إبراهيم البلوي.. عدسةٌ وطنية توثق المحافل المجتمعية بمهارة واحترافية

✍️محمد فريح الحارثي كاتب صحفي في عالم وسائل التواصل، يمرّ أمام شاشاتنا سيلٌ جارف من المقاطع واللقطات التي نشاهدها، لكنّ هناك مقاطع نتوقف عندها تقديراً لأصحابها. من بين تلك المقاطع، يبرز اسم صانع المحتوى والمؤثر إبراهيم البلوي؛ ليس كموثّق عابر، بل كصاحب رسالة وطنية واجتماعية تتجاوز حدود العدسة التقليدية.يملك البلوي حضوراً مميز يجمع فيه بين احترافية التغطية ودفء المشاركة الإنسانية؛ فهو حين يحضر محفلاً ما، لا…

السعودية.. وطن العز ومهبط الوحي وقبلة المسلمين

  مقال/ الإعلامي خضران الزهراني منطقة الباحة / صحيفة صدى نيوز السعودية الإلكترونية أنا ابنُ المملكة العربية السعودية، وإن تحدثتُ عن وطني فلن أوفيه حقَّه مهما سطَّرت من كلمات، ومهما عبَّرت عن مشاعر الفخر والاعتزاز التي تسكن قلبي؛ فالسعودية ليست مجرد وطن نعيش على أرضه، بل هي تاريخٌ عريق، ومجدٌ راسخ، وهويةٌ نفخر بها، وانتماءٌ يتجذّر في أعماق أرواحنا. إنها أرض العز والمجد، ومهبط الوحي، ومهد…

لقد فاتك ذلك

الهيئة السعودية للسياحة تستعرض مقومات البحر الأحمر كوجهة عالمية لليخوت الفاخرة على مدار العام في معرض موناكو لليخوت 2026

الهيئة السعودية للسياحة تستعرض مقومات البحر الأحمر كوجهة عالمية لليخوت الفاخرة على مدار العام في معرض موناكو لليخوت 2026

الخيل والفروسية تحضران بتجربة حية في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026

الخيل والفروسية تحضران بتجربة حية في معرض الصقور والصيد السعودي الدولي 2026

المخرج السعودي الدولي عمر الجاسر أيقونة المهرجانات المسرحية والسينمائية العربية

المخرج السعودي الدولي عمر الجاسر أيقونة المهرجانات المسرحية والسينمائية العربية

انطلاق معرض Meta-GEDS  بجدة بمشاركة 34 مبتكرًا

انطلاق معرض Meta-GEDS  بجدة بمشاركة 34 مبتكرًا

إبراهيم البلوي.. عدسةٌ وطنية توثق المحافل المجتمعية بمهارة واحترافية

إبراهيم البلوي.. عدسةٌ وطنية توثق المحافل المجتمعية بمهارة واحترافية

ليالى الشعر فى ضيافة متحف الأخوين ولقاء يجمع الإعلام والشعر فى الباحة

ليالى الشعر فى ضيافة متحف الأخوين ولقاء يجمع الإعلام والشعر فى الباحة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode