الإعلامي/ خضران الزهراني
يقولون: «في عهد الزمان كانت النصيحة تُشترى، واليوم تُقدَّم بلا ثمن، ومع ذلك لا أحد يريدها!»
يا لغرابة الزمان حين تتبدّل قيمة الأشياء؛ كان الرجل قديماً إذا وجد من ينصحه، عدَّ النصيحة كنزاً، لأن وراءها تجربةً عاشها، وموقفاً تعلّم منه، وعمراً دفع ثمنه من أيامه.
أما اليوم، فقد أصبح بعض الناس لا يريدون من ينصحه، بل يريدون من يصفّق له!
تقول له: انتبه… فيقول: «أنا أعرف.»
تقول له: تأنَّ… فيجيب: «أنا حر.»
تقول له: هذه الطريق قد تؤذيك… فيرد: «دعني أجرب.»
ثم إذا وقع، عاد يبحث عن ذلك الصوت الذي حذّره، فلا يجده!
النصيحة ليست وصاية، وإنما محبة ومسؤولية.
فالناصح الصادق لا يريد أن يعيش حياتك بدلاً منك، ولا أن يفرض عليك رأيه؛ إنما يضع أمامك خلاصة تجربته، ثم يترك لك حق الاختيار.
ومن الحكم الجميلة: «المستشير معان، والمستشار مؤتمن.»
فلا تجعل غرورك يمنع عنك الخير، ولا تظن أن قبول النصيحة يقلل من شأنك. العاقل لا يسأل فقط: من الذي نصحني؟ بل يسأل: ماذا قال؟ وهل في كلامه حق؟
قد تأتيك الحكمة من شخص أصغر منك، أو من صديق بسيط، أو من موقف لم تتوقع أن تتعلم منه شيئاً.
الحكمة لا يكبرها صاحبها، وإنما يكبرها معناها.
نعم، الزمن تغيّر، والناس تغيّروا، وتسارعت الحياة، وأصبحت الكلمات كثيرة والنصيحة قليلة الأثر.
لكن الإنسان ما زال يحتاج إلى أب يقول لابنه: انتبه.
وصديق يقول لصديقه: لا تفعل.
وأخ يقول لأخيه: أنا أخاف عليك.
وشخص صادق يقف أمامك في اللحظة التي يصفق لك فيها الجميع ويقول:
«توقف… أنت تسير في الطريق الخطأ.»
هذا الإنسان لا تخسره.
فربما يكون هو الوحيد الذي أحبك بما يكفي ليقول لك الحقيقة.
زمانٌ مضى ولن يعود، ولكننا نستطيع أن نعيد قيمة الأخلاق التي كانت فيه: نحترم الكبير، ونقدّر التجربة، ونسمع النصيحة، ونقبل النقد، ونعترف بالخطأ، ونعتذر عندما نخطئ.
ولا تبحث عن الذين يصفقون لك دائماً؛ ابحث عن الذي ينصحك حين لا يراك أحد.
فبعض الكلمات قد تؤلمك لحظة، لكنها تنقذك من ألم العمر.
فالزمن لا يعود، والفرص لا تنتظر، وبعض النصائح إذا تأخرنا في سماعها… تصبح حسرة لا نصيحة.








