إذا قيل لكم ارجعوا فارجعوا».. عن أعذارٍ غابت خلف الشاشات

✍️محمد فريح الحارثي

لواء متقاعد

في هدي الآداب الإسلامية، هُناك من يعي ويدرك أن للبيوت حرمتها، وللعلاقات مساحتها الهادئة.

فكان الرجل يتكبد عناء السير أو مشقة السفر فيطرق باب بيت أخيه، فإذا اعتذر صاحب البيت لشغلٍ أو ضيق أو لأي عُذر، انصرف الزائر بنفسٍ راضية وقلب مطمئن، مستلهماً قول الله تعالى: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}. وحين قال التابعي الجليل قتادة بن دعامة كلمته الشهيرة: “لقد طلبتُ هذه الآية عمري كله فما أدركتها؛ أن آتي بعض إخواني فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مسرور”، فإنه كان يصف خفة النفس وسلامة الصدر التي نحن أشد ما نكون حاجة إليها اليوم.

حين وُضع هذا الأدب الرفيع، كان للزيارة الواقعية تكلفتها من وقت وجهد وعناء وسفر. ومن باب أولى أن يُطبق هذا المعنى اليوم على عالمنا الرقمي؛ فعدم الرد على الاتصال أو تجاهل الرسالة ليس إلا صيغة عصرية لقوله تعالى: “ارجعوا”. لكننا اليوم نعيش مفارقة غريبة؛ إذ ضاقت النفوس بالاعتذار، وتحولت هواتفنا إلى منصات لمحاكمة الآخرين.

والأنكى من ذلك، أن البعض لم يعد يكتفي بانتظار الرد، بل اتخذ من مؤشرات حالة التواجد الرقمي أداةً للمراقبة والاختبار؛ فيراك متاحاً ومتصل وهو يتبع خطواتك من حيث لا تراه، ثم يبادر بالاتصال قاصداً إحراجك أو اختبار مدى أولويته عندك. فإذا تأخرتَ في الرد -لأنك ببساطة لستَ مهيأً نفسياً للحديث، أو غارقٌ في تفاصيلك الخاصة- اتخذ هو قراره المتسرع بمقاطعتك أو إدراجك في دائرة الجفاء أو التجاهل دون أن يمنحك القاعدة الربانية، محولاً شاشة الهاتف من أداة تواصل إلى محكمة يحكم بها عليك بما يوافق تصوراته عنك.

إن ربط مقدار المحبة والتقدير بسرعة الرد هو شكل من أشكال الاستحواذ والضغط النفسي المجاني. نحن لا نكاد نعرف شيئاً عما يمر به الآخرون خلف شاشاتهم المغلقة؛ ربما يُعاني أحدهم إرهاقاً صامتاً، أو يعبر لحظة عائلية حرجة، أو يصارع ضغطاً مهنياً عاتياً، وهو حق إنساني بسيط لا ينبغي لأحد مصادرته.

لقد علّمنا ديننا ألا نتجسس، وترك لنا السلف قاعدة أخلاقية مذهلة في حفظ الود: “التمس لأخيك عذراً إلى سبعين عذراً”. فلماذا تحولنا إلى محققين نبحث عن زلات الغياب؟ أين ذهبت تلك السعة التي تمنح الناس حق التنفس بعيداً عن عيون الرقابة الرقمية؟

إن احترام خصوصية الآخر، والتوقف عن حصاره بالرسائل المتلاحقة أو عتاب الغياب المُر، ليس مجرد “ذوق عام”، بل هو وعي إنساني حقيقي يدرك أن خلف كل شاشة حياة كاملة لها خصوصيتها، وتفاصيل معقدة لا نملك حق اقتحامها.

فلنعلم هواتفنا أننا لسنا أسرىً لنغماتها، ولنتبادل عذر الغياب بقلوب صافية؛ فحين نكف عن الإلحاح، نكون قد أحيينا المعنى الأصيل لقوله تعالى: {وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا ۖ هُوَ أَزْكَىٰ لَكُمْ}.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

خمسة فارقهم ولا تندم على فراقهم بقلم أحمد علي بكري

  بقلم أحمد علي بكري في الحياة أشخاص لا يكون رحيلهم خسارة، بل يكون أحيانًا استردادًا لشيء ثمين فقدناه ونحن نحاول الاحتفاظ بهم؛ استردادًا لكرامتنا، وطمأنينتنا، وحقنا في أن نعيش دون أن نقضي أعمارنا في إثبات قيمتنا لمن قرر مسبقًا ألا يراها. وليس كل فراق مأساة، كما أن كل بقاء ليس فضيلة؛ فبعض العلاقات تنتهي في اللحظة التي ندرك فيها أن وجود الطرف الآخر لم يعد…

ظلمٌ يطارد الحقيقة… وإنسانٌ يقاوم القهر

  الإعلامي/ عادل بن محمد البكري أحيانًا لا يدرك الإنسان حجم الثمن الذي قد يدفعه حين ينطق بكلمة الحق. قد يقولها بصدق، ويكشف أمرًا كان يحتاج إلى أن يُكشف، ثم يجد نفسه أمام حربٍ من نوع آخر؛ حرب لا تُسمع أصواتها، لكنها تُرهق النفس وتستنزف الإنسان يومًا بعد يوم. لماذا قلت الحق؟ لماذا تكلمت؟ لماذا لم تصمت؟ أسئلة قد تُرمى في وجه من اختار الصراحة، وكأن…

لقد فاتك ذلك

ملتقى الزمن الجميل يضيء ليلة تراثية في مركز رشد للتأهيل بالهد

ملتقى الزمن الجميل يضيء ليلة تراثية في مركز رشد للتأهيل بالهد

«مبادرة جدة للجميع» لجمعية حياتنا الترفيهية تواصل رحلتها بمحطتها الثانية احتفاءً باليوم الوطني السعودي الـ96

«مبادرة جدة للجميع» لجمعية حياتنا الترفيهية تواصل رحلتها بمحطتها الثانية احتفاءً باليوم الوطني السعودي الـ96

مركز التنمية الاجتماعية بجازان يحتفي بكبار السن ببرنامج نوعي يجمع الترفيه والوفاء

مركز التنمية الاجتماعية بجازان يحتفي بكبار السن ببرنامج نوعي يجمع الترفيه والوفاء

ورشة عمل «من الفكرة إلى الأثر» تستعرض مبادرات إعلامية مبتكرة بالمنتدى السعودي للإعلام

ورشة عمل «من الفكرة إلى الأثر» تستعرض مبادرات إعلامية مبتكرة بالمنتدى السعودي للإعلام

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي يعلن عن لجنة تحكيم مسابقة الإلقاء

مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي يعلن عن لجنة تحكيم مسابقة الإلقاء

توليت يشعل ليالي جدة في حفل جماهيري إستثنائي

توليت يشعل ليالي جدة في حفل جماهيري إستثنائي

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode