فخّ أنيق حكايات تختبئ خلف جمالها

كتبته /صباح أحمد العمري

حين كتبتُ مجموعتي القصصية “فخّ أنيق”، لم أكن أبحث عن حكايات تُروى لمجرد الحكاية، بقدر ما كنت أبحث عن تلك اللحظات الإنسانية الهادئة التي تختبئ خلفها صراعات النفس، وتفاصيل الحياة، واختيارات الإنسان التي قد تقوده أحيانًا إلى أماكن لم يكن يتوقع الوصول إليها.

جاء عنوان المجموعة من مفارقة أحببتها؛ فلفخ يحمل في داخله معنى الأسر والخطر والألم، بينما تأتي كلمة أنيق لتمنحه صورة مغايرة؛ صورة جذابة وناعمة، وربما مغرية أيضًا. ومن هنا جاءت الفكرة التي تحرك كثيرًا من نصوص المجموعة: أن الفخاخ الأكثر خطورة ليست بالضرورة تلك التي تبدو مخيفة، بل قد تكون تلك التي تصل إلينا في صورة جميلة، فنقترب منها بإرادتنا، ثم نكتشف متأخرين أننا وقعنا فيها.

في قصصي، اقتربت من الإنسان في لحظاته المختلفة؛ من علاقاته، وطموحاته، ومخاوفه، ومن تلك المساحات الخفية بين ما يظهر للآخرين وما يضج في داخله. حاولت أن أجعل الشخصيات تتحرك في منطقة الصراع بين الذات وواقعها، وأن أرصد اللحظات التي يتغير فيها كل شيء بسبب قرار، أو رغبة، أو وهم بدا في بدايته جميلًا.

أما اللغة، فحرصت أن تكون مكثفة، ذات حس شعري، وأن أترك للقارئ مساحة ليكتشف المعنى بنفسه، بعيدًا عن المباشرة. أحب أن تقود التفاصيل الصغيرة القارئ إلى ما هو أبعد منها، وأن تحمل الأشياء اليومية البسيطة دلالات قد لا تظهر من الوهلة الأولى.

وقد منحتُ القفلة عناية خاصة؛ لأنني أؤمن أن نهاية القصة القصيرة ليست مجرد نهاية للأحداث، وإنما هي اللحظة التي يُعاد فيها تشكيل ما قرأه القارئ كله. لذلك قد تبدو بعض الحكايات هادئة ومطمئنة، ثم تأتي القفلة لتكشف وجهًا آخر للحكاية، أو تضع القارئ أمام حقيقة لم يكن يتوقعها.

ولم يكن هدفي من “فخّ أنيق” أن أقدّم إجابات جاهزة، بل أن أطرح أسئلة تظل مفتوحة في ذهن القارئ. أسئلة عن اختياراتنا، وعن الأشياء التي ننجذب إليها، وعن الحدود الدقيقة بين ما نريده وما يؤذينا، وبين الجمال الذي نراه في البداية والنتيجة التي قد نكتشفها لاحقًا.

أردت لهذه المجموعة أن تكون مساحة للتأمل في الإنسان قبل أن تكون مساحة للحكاية؛ أن يرى القارئ في بعض شخصياتها شيئًا منه، وفي بعض مواقفها سؤالًا مرّ به، وربما يكتشف، بعد أن يطوي صفحاتها، أن الفخ الذي ظنه بعيدًا عنه قد يكون أقرب إليه مما يتصور.

“فخّ أنيق” بالنسبة لي ليست مجرد مجموعة قصصية، بل تجربة كتبتُ فيها عن الإنسان كما أراه: كائنًا قد يعرف الطريق، لكنه يختار أحيانًا الطريق الخطأ؛ وقد يرى الفخ، لكنه يمضي إليه لأن شيئًا جميلًا كان يقف خلفه.

وربما لهذا اخترتُ لها هذا الاسم تحديدًا…

فبعض الفخاخ لا تحتاج إلى أن تخيفنا حتى نقع فيها؛ يكفي أن تكون أنيقة.

صدي نيوز اس 6

Related Posts

حين يصبح الحبرُ ملتقى

  ✍🏻 مزنة بنت سعيد البلوشية كاتبة عُمانية هناك أماكن لا ندخلها بأقدامنا فحسب، بل ندخلها بشغفنا أيضًا؛ أماكن نشعر فيها أن شيئًا في داخلنا كان ينتظر هذا اللقاء منذ زمن. ولعل ملتقى حِبر الثقافي الثاني واحدٌ من تلك المساحات التي لا تُقاس قيمتها بعدد الفعاليات أو الحضور، وإنما بما تتركه من أثرٍ في الذاكرة، وما تفتحه من نوافذ جديدة على الفكر والمعرفة والإبداع. فالثقافة ليست…

المقال (35): فقهُ الجبرِ.. كيف يُرمِّمُ اللهُ انكساراتِ قلبِك؟

  بقلم الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان ما من قلبٍ انكسرَ للهِ تعالى، إلا كان جبرُ اللهِ أقربَ إليه من ظنِّه، وما من عبدٍ ألقى أحزانَه بين يدي ربِّه بصدقٍ، إلا أبدله اللهُ بعد العسرِ يُسرًا، وبعد الخوفِ أمنًا، وبعد الانكسارِ قوّةً، وبعد الدمعِ سكينةً. فالجبرُ الإلهيُّ لا يعني دائمًا أن تعودَ الأشياءُ كما كانت، بل قد يكونُ الجبرُ في أن يمنحَك اللهُ قلبًا أقوى،…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

«خيال مريض» على مسرح مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة

«خيال مريض» على مسرح مدينة الفنون والثقافة بالعاصمة الجديدة

فخّ أنيق حكايات تختبئ خلف جمالها

فخّ أنيق حكايات تختبئ خلف جمالها

الغطاء النباتي يطلق أكبر حملة “نثر بذور” لتأهيل 350 ألف هكتار من المراعي الطبيعية دعمًا لمستهدفات السعودية الخضراء

الغطاء النباتي يطلق أكبر حملة “نثر بذور” لتأهيل 350 ألف هكتار من المراعي الطبيعية دعمًا لمستهدفات السعودية الخضراء

حين يصبح الحبرُ ملتقى

حين يصبح الحبرُ ملتقى

جمعية رفق لإكرام الموتى بصامطة تنفذ برنامج “تأهيل وتدريب المغسلين والمغسلات

جمعية رفق لإكرام الموتى بصامطة تنفذ برنامج “تأهيل وتدريب المغسلين والمغسلات

«حياة بوعي» محاضرة تقدمها الأخصائية داليا بالتعاون مع فريق تنفّس التطوعي 

«حياة بوعي» محاضرة تقدمها الأخصائية داليا بالتعاون مع فريق تنفّس التطوعي 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode