التفسير الفسيولوجي والعصبي للراحة النفسية التابعة للبكاء العاطفي

 

بقلم: أحمد علي بكري

يُعدّ البكاء العاطفي من أكثر الاستجابات الإنسانية تعقيدًا؛ فهو ليس مجرد خروج للدموع من العين، وإنما ظاهرة نفسية وعصبية وفسيولوجية تشترك فيها مناطق متعددة من الدماغ والجهاز العصبي والمنظومة الهرمونية، وقد يظهر البكاء عند الحزن والفقد والألم النفسي، كما قد يظهر عند الفرح الشديد أو التأثر أو الشعور بالارتياح.

ومن الملاحظ لدى كثير من الناس أن ذرف الدموع أثناء الانفعال الشديد قد يتبعه شعور بالهدوء أو الخفة النفسية، إلا أن هذا الأثر ليس آليًا ولا يحدث بالطريقة نفسها لدى الجميع، وهو ما يجعل فهم البكاء يحتاج إلى النظر إليه باعتباره جزءًا من منظومة أوسع لتنظيم الانفعالات وليس مجرد «تفريغ» بسيط للمواد الكيميائية من الجسم.

يبدأ البكاء العاطفي عادة عندما يواجه الإنسان تجربة تتجاوز قدرته اللحظية على التنظيم الانفعالي، مثل وفاة شخص عزيز أو التعرض لصدمة أو الشعور بالعجز أو الحنين الشديد

وفي هذه اللحظة تتفاعل شبكات عصبية مرتبطة بالمشاعر والذاكرة والاستجابة للضغط النفسي، ولا سيما الجهاز الحوفي ومناطق في القشرة الدماغية، مع منظومة الاستجابة للتهديد والإجهاد.

وتؤدي هذه العملية إلى تغيرات في معدل ضربات القلب والتنفس وتوتر العضلات والنشاط العصبي الذاتي، فيدخل الجسم في حالة من الاستثارة الفسيولوجية قد تكون واضحة حتى قبل نزول الدموع.

وهنا يأتي البكاء بوصفه أحد أشكال التعبير عن هذه الحالة الانفعالية، وربما إحدى الوسائل التي تساعد الإنسان على الانتقال تدريجيًا من حالة الاستثارة العالية إلى حالة أكثر هدوءًا، خصوصًا عندما يحدث البكاء في بيئة يشعر فيها الإنسان بالأمان والدعم.

والدموع نفسها ليست نوعًا واحدًا من السوائل؛ فهناك الدموع القاعدية التي تحافظ على رطوبة سطح العين، والدموع الانعكاسية التي تنتج استجابة لمهيجات مثل الدخان والغبار، والدموع العاطفية التي ترتبط بالانفعالات الإنسانية. وقد وجدت الدراسات اختلافات في تركيب الدموع العاطفية عن بعض أنواع الدموع الأخرى، إلا أن الصورة العلمية أكثر تعقيدًا من الاعتقاد الشائع بأن الإنسان «يطرد هرمونات التوتر من جسده» بمجرد البكاء. فقد توجد في الدموع مركبات وبروتينات ومواد مرتبطة بعمليات فسيولوجية مختلفة، لكن الكمية التي يمكن التخلص منها عبر الدموع صغيرة جدًا مقارنة بما يوجد في الدورة الدموية، ولذلك لا يصح اختزال الراحة النفسية في عملية إخراج الكورتيزول أو غيره من هرمونات التوتر عبر العين. والأرجح أن جزءًا مهمًا من التغير الذي يشعر به الإنسان بعد البكاء يرتبط بالتحول في نشاط الجهاز العصبي الذاتي وبعملية تنظيم الانفعال نفسها.

فعندما يتعرض الإنسان لضغط نفسي شديد، ينشط الجهاز العصبي الودي، وهو الجزء المسؤول عن إعداد الجسم للاستجابة السريعة، فيزداد معدل ضربات القلب ويتغير نمط التنفس وترتفع درجة التوتر العضلي ويصبح الجسم أكثر يقظة.

وبعد انتهاء ذروة الانفعال يبدأ الجهاز العصبي اللاودي في استعادة دوره في تنظيم الجسم والعودة به نحو حالة أكثر هدوءًا، ويمكن أن يتزامن ذلك مع انخفاض تدريجي في الاستثارة الفسيولوجية، وهو ما قد يفسر شعور بعض الأشخاص بالراحة والإرهاق الهادئ بعد البكاء.

ومن المهم هنا التمييز بين البكاء وبين فكرة «التنفيس» بمعناها الشعبي؛ فالبكاء وحده ليس علاجًا مضمونًا للحزن، وقد يشعر الإنسان بعده براحة مؤقتة، بينما قد يشعر شخص آخر بمزيد من الحزن أو الإرهاق، خصوصًا إذا كان البكاء مرتبطًا بصدمة شديدة أو اكتئاب أو فقد لم تتم معالجته نفسيًا.

ولهذا تشير النظرة الحديثة إلى أن تأثير البكاء يعتمد جزئيًا على السياق الذي يحدث فيه، وعلى تفسير الإنسان لبكائه، وعلى وجود شخص يمنحه الأمان والدعم، وعلى طبيعة المشكلة التي سببت الانفعال. فالبكاء في حضن شخص موثوق، أو أثناء التعبير عن فقد عزيز، قد يؤدي إلى تجربة مختلفة تمامًا عن البكاء في حالة من العزلة والخوف واليأس.

كما يرتبط البكاء بالتواصل الاجتماعي؛ فالدموع تحمل رسالة غير لفظية واضحة تقول للآخرين إن الإنسان يعيش حالة انفعالية قوية ويحتاج إلى التعاطف أو الدعم.

ومن الناحية العصبية، فإن الإنسان لا يعيش مشاعره بمعزل عن جسده؛ فالمخ يستقبل باستمرار إشارات من القلب والتنفس والعضلات والجهاز الهضمي وغيرها، ثم يدمجها مع الخبرة النفسية والذكريات والتفسير المعرفي للموقف. ولذلك يمكن أن يتحول الانفعال النفسي إلى إحساس جسدي واضح: ضيق في الصدر، ارتجاف، تغير في التنفس، عقدة في الحلق، ثقل في الأطراف أو تسارع ضربات القلب. وعندما يبدأ البكاء، قد يتغير نمط التنفس بصورة متكررة ومتقطعة، ثم يستعيد الجسم تدريجيًا انتظامه بعد انتهاء ذروة الانفعال، وهو أحد العوامل التي يمكن أن تفسر الإحساس بالهدوء الذي يعقب البكاء لدى بعض الأشخاص. أما الحديث عن الإندورفين والأوكسيتوسين، فيحتاج كذلك إلى قدر من الحذر العلمي؛ فهذه المواد مرتبطة فعلًا بتنظيم الألم والتفاعل الاجتماعي والاستجابات الانفعالية، لكن الأدلة لا تسمح بالقول إن كل بكاء يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مباشر ومحدد فيها ثم ينتج عنه شعور بالراحة. فالدماغ لا يعمل وفق معادلة بسيطة من نوع «بكاء ← هرمونات مهدئة ← سعادة»، وإنما وفق شبكة معقدة من التفاعلات العصبية والهرمونية والسلوكية. ومن أكثر الجوانب إثارة للاهتمام أن الإنسان قد يشعر براحة نفسية بعد البكاء حتى عندما لا يكون سبب الحزن قد اختفى. فالواقع الخارجي قد يبقى كما هو، والشخص الذي فقده الإنسان لن يعود، والمشكلة التي أثقلته قد تستمر، لكن الجهاز العصبي يكون قد انتقل من ذروة الاستثارة إلى مستوى أقل منها. ولذلك فإن الراحة التي تعقب البكاء لا تعني بالضرورة زوال الحزن، وإنما قد تعني انخفاض شدة الاستثارة المصاحبة له. وهذا الفرق مهم جدًا في فهم طبيعة الحزن الإنساني؛ فالإنسان قد يبكي ويبقى حزينًا، وقد يبكي ثم يشعر بالسكينة، وقد تتعاقب الحالتان مرات كثيرة خلال رحلة الفقد والتكيف. ومن هنا نصل إلى الجانب النبوي الذي يقدم نموذجًا بالغ العمق في التعامل مع المشاعر الإنسانية. فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال عليه الصلاة والسلام: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا». وفي هذا الموقف النبوي تظهر حقيقة إنسانية عظيمة: الحزن الطبيعي لا يناقض الإيمان، والدموع ليست دليل ضعف في العقيدة، وإنما يمكن أن تكون استجابة فطرية للمحبة والفقد. وقد ورد أيضًا في وصف حزنه صلى الله عليه وسلم في مواقف أخرى أن عينيه كانتا تفيضان أو تذرفان الدمع، ومن ذلك تأثره عند سماع القرآن، وعند وفاة بعض أصحابه وأقاربه. والأدق من الناحية التعبيرية أن نقول إن عينَي النبي صلى الله عليه وسلم كانتا تدمعان عند الحزن ووفاة أبنائه وأحبابه، وليس أن الدموع كانت ناتجة عن ضعف أو فقدان السيطرة؛ فقد كان عليه الصلاة والسلام يجمع بين رقة القلب وقوة الصبر، وبين التأثر البشري والتسليم الكامل لقضاء الله. وهذه الصورة النبوية تتوافق بصورة لافتة مع ما يكشفه علم النفس الحديث عن الفرق بين الشعور بالانفعال وبين السلوك الذي يترتب عليه؛ فالإنسان يستطيع أن يشعر بالحزن الشديد ويبكي، وفي الوقت نفسه يحتفظ بقدرته على ضبط أقواله وأفعاله. ولذلك فإن البكاء في ذاته ليس هو المشكلة، وإنما المشكلة قد تكون في السلوكيات المؤذية التي قد تصاحب الانهيار النفسي أو في استمرار الأعراض بصورة تعطل حياة الإنسان. ومن أجمل ما في النموذج النبوي أنه لم يلغِ المشاعر الإنسانية باسم الصبر، بل صحح مفهوم الصبر نفسه؛ فالصبر لا يعني أن يصبح الإنسان بلا مشاعر، ولا أن يمنع الدموع من عينيه، وإنما يعني ألا يتحول الألم إلى اعتراض على الله أو إلى قول وسلوك محرّم. ولهذا يمكن للإنسان أن يحزن ويبكي، وفي الوقت نفسه يقول ما يرضي الله، ويحتسب، ويستعين بالصبر والدعاء. وإذا نظرنا إلى المسألة من زاوية علم الأعصاب، نجد أن هذا النوع من التنظيم الانفعالي يمثل عملية أكثر نضجًا من محاولة قمع المشاعر بصورة كاملة؛ لأن المشاعر التي يتم تجاهلها أو إنكارها لا تختفي بالضرورة، بل قد تستمر في التأثير في التفكير والنوم والجسد والسلوك. أما التعبير عنها بطريقة آمنة، سواء بالكلام أو البكاء أو مشاركة الألم مع شخص موثوق، فقد يساعد الإنسان على معالجتها وإعادة تنظيمها. ومع ذلك، ينبغي ألا يتحول البكاء إلى وسيلة وحيدة للتعامل مع الألم النفسي؛ فإذا استمر الحزن فترة طويلة بصورة تعطل النوم والعمل والعلاقات، أو صاحبته مشاعر شديدة من اليأس والعجز، فقد يحتاج الإنسان إلى دعم نفسي متخصص، لأن البكاء في هذه الحالة قد يكون علامة على معاناة أعمق وليس علاجًا لها. وهكذا فإن البكاء العاطفي يمكن فهمه باعتباره نقطة التقاء بين الجسد والعقل والمشاعر والعلاقات الإنسانية. تبدأ العملية بانفعال نفسي قد يرفع مستوى الاستثارة العصبية، ثم تظهر استجابات جسدية تشمل تغير التنفس وضربات القلب وتوتر العضلات وإفراز الدموع، وبعد ذروة الانفعال قد يدخل الجسم تدريجيًا في مرحلة استعادة التوازن، فيشعر الإنسان أحيانًا براحة وهدوء وإرهاق عاطفي يعقبها. وهذه الراحة ليست بالضرورة نتيجة «إخراج السموم» أو «طرد الكورتيزول» بالدموع، بل هي على الأرجح حصيلة تفاعل أكثر تعقيدًا بين تنظيم الجهاز العصبي، وتغير الحالة الفسيولوجية، والتعبير عن المشاعر، وإعادة تفسير التجربة، والدعم الاجتماعي الذي قد يصاحب البكاء. ولعل أعمق ما يمكن استخلاصه من الجمع بين العلم والهدي النبوي أن الإنسان ليس آلة ينبغي عليها إلغاء الحزن، بل كائن يحمل قلبًا وعقلًا وجسدًا تتفاعل جميعها عند الفقد والألم. وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحزن قلبه، ودمعت عيناه، ومع ذلك بقي ثابتًا صابرًا راضيًا بقضاء الله. وفي هذه الصورة تتكامل الحقيقة الفسيولوجية مع الحقيقة الإنسانية والإيمانية: قد تنزل الدموع من العين،

ويبقى القلب حزينًا، لكن الصبر هو أن يظل اللسان والقول والعمل فيما يرضي الله. فالبكاء ليس نقيض القوة، كما أن الدموع ليست نقيض الصبر؛ وإنما قد تكون الدموع إحدى اللغات الفطرية التي خلق الله بها الإنسان ليعبّر عن أعمق ما يعجز الكلام عن حمله.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين يمضي الصراط المستقيم وحده

  «مَادُمْتَ تَمْشِي مُسْتَقِيمًا، فَلَا تُبَالِ بِالْعُقُولِ الْمَائِلَةِ.» فهذا هو معنى الثبات والتعالي عن العقول المائلة ​في رحلة الحياة الممتدة، بين منعرجات الطرق ومفترقات الأفكار، يواجه الإنسان الكثير من الأصوات والمواقف. وحدها البوصلة الداخلية الواضحة هي التي تقود السائر نحو غايته، غير آبه بما يدور في الهامش. إن العبارة المكثفة التي انطلقت منها هذه التأتأة الفكرية تختزل فلسفة حياة بأكملها: «مَادُمْتَ تَمْشِي مُسْتَقِيمًا، فَلَا تُبَالِ بِالْعُقُولِ…

في مكة المكرمة.. ضيافةٌ كشفية تجسّد قيم الكرم والأخوّة

  بقلم الرائدة /  نورية علي شيباني في رحاب مكة المكرمة، حيث تسمو الأرواح وتصفو القلوب، كان لنا موعدٌ استثنائي مع الكرم الأصيل، حين شرّفنا القائد عثمان خليفة مدني ” المشرف العام على فريق كشافة شباب مكة” باستضافتنا في بيته العامر، فكان اللقاء لوحةً من الوفاء، ومشهدًا نابضًا بالأخوّة الكشفية، تجلّت فيه معاني حسن الوفادة، وكرم الضيافة، وصدق المحبة. ولم يكن الاستقبال عابرًا، بل جاء في…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

فرع هيئة الصحفيين السعوديين بجازان ينظم لقاء إعلامي في أدبي جازان استضاف فيه العماشي والحمدي واستعرض تجارب الصحافة والإعلام

فرع هيئة الصحفيين السعوديين بجازان ينظم لقاء إعلامي في أدبي جازان استضاف فيه العماشي والحمدي واستعرض تجارب الصحافة والإعلام

حين يمضي الصراط المستقيم وحده

حين يمضي الصراط المستقيم وحده

‏بيئة مكة تطرح 8 فرص استثمارية وتنموية لتعزيز القطاعات الزراعية والحيوانية والبيئية

‏بيئة مكة تطرح 8 فرص استثمارية وتنموية لتعزيز القطاعات الزراعية والحيوانية والبيئية

تعليم الطائف يطلق مبادرة المخيم التأهيلي لمبادرة المعرفة بمهارات المستقبل 

تعليم الطائف يطلق مبادرة المخيم التأهيلي لمبادرة المعرفة بمهارات المستقبل 

“تعليم الطائف” يحتفل باليوم العالمي لمحو الأمية بالعديد من الأنشطة والفعاليّات 

“تعليم الطائف” يحتفل باليوم العالمي لمحو الأمية بالعديد من الأنشطة والفعاليّات 

تعليم الطائف يشارك في مؤتمر العمل الخيري من خلال جلسة حوارية تناولت دور التعليم في غرس ثقافة العطاء 

تعليم الطائف يشارك في مؤتمر العمل الخيري من خلال جلسة حوارية تناولت دور التعليم في غرس ثقافة العطاء 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode