نهيئ الطفل للمدرسة ام نهيئه للخوف منها؟

 

كاتبة رأي/  ايمان المغربي

مع بداية كل عام دراسي يبدأ الاهل في تهيئة اطفالهم للمدرسة فيستعدون معهم للملابس والادوات والنوم المبكر وتنظيم الوقت وكل ما يحتاجه اليوم الدراسي لكن هناك جانب اخر من التهيئة قد لا ننتبه له وهو الصورة التي نضعها في ذهن الطفل عن المدرسة قبل ان يعيش تجربته بنفسه

فالمسالة ليست في ان نهيئ الطفل للمدرسة وانما في الكيفية التي نهيئه بها

قد نقول للطفل بدافع الحب والحرص لا تخف ولا تقلق وربما تبكي وربما تشتاق لنا ويمكن ان تتوتر في البداية ونكرر هذه العبارات ونحن نظن اننا نطمئنه لكننا قد نلفت انتباهه الى مشاعر لم تكن حاضرة في ذهنه اصلا فيبدأ في انتظار الخوف بدلا من ان يدخل تجربته بصورة طبيعية

وهنا نحتاج ان نفرق بين ان نطمئن الطفل وبين ان نخبره مسبقا بما قد يخاف منه

فالطفل لا يحتاج دائما الى معرفة ما قد يشعر به بقدر حاجته الى معرفة ان والديه موجودان اذا واجه شيئا لا يعرف كيف يتعامل معه

وهذا لا يعني ان القلق او الخوف غير موجود عند الاطفال فبعضهم يحتاج وقتا اطول للتكيف وبعضهم يتاثر بتغير المكان او الابتعاد عن والديه وبعضهم يدخل المدرسة بسهولة فالاطفال مختلفون وما يناسب طفلا قد لا يناسب اخر

ومن واقع ثلاثين عاما في التعليم وما سمعته ولمسته من تجارب الامهات من حولي تعلمت ان الافضل ان نتعامل مع الطفل كما هو لا كما نتوقع ان يكون وان ننتبه الى تجربته الفعلية بدلا من وضع تجربة طفل اخر معيارا له

وهناك فرق بين ان نساعد الطفل عندما يواجه صعوبة وبين ان نجعله يتوقع الصعوبة قبل ان يصل اليها

ومن هنا تبدأ التهيئة قبل ان يدخل الطفل المدرسة اصلا

فاختيار الوالدين للمدرسة المناسبة جزء من تهيئته لها فهما حين يختاران مدرسة تناسب عمره واحتياجاته ويراعيان بيئتها ونظامها وموقعها وقربها من البيت فإنهما يهيئانه لمرحلة جديدة من حياته ولهذا يحرص بعض الوالدين على اختيار مدرسة قريبة من البيت حتى يكون الطريق اسهل ولا يشكل الانتقال اليومي عبئا على الطفل

كما ان اطمئنان الوالدين الى المدرسة مهم لان الطفل قد يلتقط قلقهما وترددهما حتى دون ان يتحدثا عنه

ومع ذلك فاختيار المدرسة المناسبة لا يعني ان الطفل لن يواجه فيها صعوبة فالمدرسة ليست مكانا مثاليا خاليا من المشكلات وليست مكانا ينبغي ان نقدم للطفل على انه مصدر للخوف بل هي بيئة حقيقية سيتعلم فيها وينجح ويخطئ ويتعامل مع اطفال مختلفين عنه وقد يمر بموقف يحتاج فيه الى معرفة ماذا يفع

لذلك من الافضل ان نقدم المدرسة للطفل بصورة واقعية سيذهب ليتعلم ويلتقي باطفال اخرين ويجرب اشياء جديدة وقد يواجه موقفا لا يعرفه ثم يتعلم مع الوقت كيف يتعامل معه

والتهيئة العملية تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية في البيت

ان يعرف الطفل وقت نومه واستيقاظه وان يشارك في تجهيز حقيبته وان يرتب اغراضه بما يناسب عمره وان يحافظ على متعلقاته وان يتعلم القيام ببعض احتياجاته بنفسه فهذه الممارسات تجعله يدخل المدرسة وهو معتاد على تحمل مسؤوليات بسيطة

والاستقلال لا يبدا في اول يوم دراسي بل يبنى بالتدرج في البيت

حين نقول للطفل جرب بنفسك واذا احتجتني انا هنا فاننا نعطيه فرصة للمحاولة دون ان نسحب منه شعوره بالامان فالاستقلال لا يعني ان نتركه وحده والحماية لا تعني ان نعيش التجربة بدلا منه

وحتى الطفل شديد التعلق بوالديه لا يحتاج الى قطع هذا التعلق فجاة بل الى فرص صغيرة يشعر فيها انه يستطيع ان يفعل بعض الاشياء بنفسه وان ابتعاد والديه للحظات لا يعني غيابهما عنه

وعندما يقول الطفل لا اريد المدرسة فان اول ما يحتاجه قد يكون الاستماع

نساله ما الشيء الذي لا تريده في المدرسة؟

قد يكون السبب بسيطا او موقفا يحتاج الى فهم او مجرد خوف من المجهول والاستماع هنا يساعدنا على معرفة ما يحتاجه الطفل بدلا من افتراض السبب نيابة عنه

واذا بكى فلا نجعل البكاء معركة ولا نسخر منه ولا نقارنه بغيره فلا نقول انظر الى اخيك لم يبك او كل الاطفال دخلوا وانت تبكي لان المقارنة قد تزيد شعوره بالضعف بدلا من مساعدته على التقدم

والافضل ان نلاحظ تطوره هو فنقول له في المرة السابقة كنت مترددا واليوم دخلت وهذا تقد

كما لا ينبغي ان تصبح المدرسة وسيلة للتهديد او العقاب لان المكان الذي نريد للطفل ان يتعلم فيه لا ينبغي ان يرتبط في ذهنه بالعقوبة

وبعد عودته من المدرسة يمكن ان نترك له مساحة ليحكي تجربته بطريقته بدلا من حصر الحديث في هل بكيت وهل خفت وهل اشتقت لي

نساله كيف كان يومك وماذا تعلمت وما الشيء الذي اعجبك وهل هناك شيء تريد ان تحدثني عن

بهذه الطريقة نعرف المدرسة من خلال تجربة الطفل نفسه لا من خلال مخاوفنا المسبقة

واذا واجه مشكلة في المدرسة فلا يعني ذلك ان نتدخل في كل موقف نيابة عنه

نساله ماذا حدث وما الذي تستطيع ان تفعله ومن الشخص الذي يمكن ان يساعد

فبعض المواقف يستطيع التعامل معها بنفسه وبعضها يحتاج الى توجيه وبعضها يتطلب تدخل الكبار والحماية الواعية هي ان نعرف متى نعطي الطفل فرصة المحاولة ومتى نكون بحاجة الى التدخل

فالمدرسة لا تعلم الطفل القراءة والكتابة فقط بل تمنحه فرصة ليتعلم تحمل المسؤولية والتعامل مع الاخرين والتعبير عن احتياجاته وطلب المساعدة والمحاولة بعد الخطا ومعرفة ان عدم النجاح من المرة الاولى لا يعني العجز

وهذه مهارات يتعلمها الطفل بالممارسة لا بمجرد الحديث عنها

لذلك ليس الهدف ان نضمن للطفل انه لن يخاف ولن يبكي ولن يواجه مشكلة فهذا ليس واقعي

الهدف ان يعرف ماذا يفعل عندما يواجه شيئا جديدا وان يثق بقدرته على المحاولة وان يعرف متى يتصرف بنفسه ومتى يطلب المساعدة

فالتهيئة الحقيقية تظهر في ما يصبح الطفل قادرا على فعله عندما يبدأ حياته المدرسية

ان يعرف كيف يحاول وكيف يعبر عما يحتاجه وكيف يتعامل مع موقف جديد وكيف يطلب العون عندما يحتاجه

فالمدرسة ليست مجرد مكان للدراسة وانما مساحة يتدرج فيها الطفل من الاعتماد الكامل على والديه الى اكتشاف قدرته على التعامل مع مواقف الحياة بنفسه

ودور الوالدين هنا ليس ان يمنعا عنه كل صعوبة وانما ان يكونا بالقرب منه بالقدر الذي يحتاجه وان يتركا له مساحة مناسبة لعمره حتى يجرب ويتعلم

نهيئ الطفل للمدرسة حين نساعده على دخولها مستعدا لما يحتاجه منها وقادرا على التعامل مع ما يواجهه فيها دون ان نحمل ذهنه مخاوف لم يعشها بعد

صدى نيوز اس 1

Related Posts

حين يمضي الصراط المستقيم وحده

  «مَادُمْتَ تَمْشِي مُسْتَقِيمًا، فَلَا تُبَالِ بِالْعُقُولِ الْمَائِلَةِ.» فهذا هو معنى الثبات والتعالي عن العقول المائلة ​في رحلة الحياة الممتدة، بين منعرجات الطرق ومفترقات الأفكار، يواجه الإنسان الكثير من الأصوات والمواقف. وحدها البوصلة الداخلية الواضحة هي التي تقود السائر نحو غايته، غير آبه بما يدور في الهامش. إن العبارة المكثفة التي انطلقت منها هذه التأتأة الفكرية تختزل فلسفة حياة بأكملها: «مَادُمْتَ تَمْشِي مُسْتَقِيمًا، فَلَا تُبَالِ بِالْعُقُولِ…

في مكة المكرمة.. ضيافةٌ كشفية تجسّد قيم الكرم والأخوّة

  بقلم الرائدة /  نورية علي شيباني في رحاب مكة المكرمة، حيث تسمو الأرواح وتصفو القلوب، كان لنا موعدٌ استثنائي مع الكرم الأصيل، حين شرّفنا القائد عثمان خليفة مدني ” المشرف العام على فريق كشافة شباب مكة” باستضافتنا في بيته العامر، فكان اللقاء لوحةً من الوفاء، ومشهدًا نابضًا بالأخوّة الكشفية، تجلّت فيه معاني حسن الوفادة، وكرم الضيافة، وصدق المحبة. ولم يكن الاستقبال عابرًا، بل جاء في…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

فرع هيئة الصحفيين السعوديين بجازان ينظم لقاء إعلامي في أدبي جازان استضاف فيه العماشي والحمدي واستعرض تجارب الصحافة والإعلام

فرع هيئة الصحفيين السعوديين بجازان ينظم لقاء إعلامي في أدبي جازان استضاف فيه العماشي والحمدي واستعرض تجارب الصحافة والإعلام

حين يمضي الصراط المستقيم وحده

حين يمضي الصراط المستقيم وحده

‏بيئة مكة تطرح 8 فرص استثمارية وتنموية لتعزيز القطاعات الزراعية والحيوانية والبيئية

‏بيئة مكة تطرح 8 فرص استثمارية وتنموية لتعزيز القطاعات الزراعية والحيوانية والبيئية

تعليم الطائف يطلق مبادرة المخيم التأهيلي لمبادرة المعرفة بمهارات المستقبل 

تعليم الطائف يطلق مبادرة المخيم التأهيلي لمبادرة المعرفة بمهارات المستقبل 

“تعليم الطائف” يحتفل باليوم العالمي لمحو الأمية بالعديد من الأنشطة والفعاليّات 

“تعليم الطائف” يحتفل باليوم العالمي لمحو الأمية بالعديد من الأنشطة والفعاليّات 

تعليم الطائف يشارك في مؤتمر العمل الخيري من خلال جلسة حوارية تناولت دور التعليم في غرس ثقافة العطاء 

تعليم الطائف يشارك في مؤتمر العمل الخيري من خلال جلسة حوارية تناولت دور التعليم في غرس ثقافة العطاء 

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode