جمعية خبراء السياحة.. حين تتحول الخبرة إلى أثر

بقلم أ. غميص الظهيري

في وطنٍ تتسارع فيه خطوات التنمية، وتتسع فيه آفاق الطموح، أصبحت السياحة السعودية واحدة من أبرز ملامح التحول الذي تشهده المملكة، ليس بوصفها قطاعًا اقتصاديًا واعدًا فحسب، وإنما باعتبارها جسرًا يصل المملكة بالعالم، ويقدم ثراءها الحضاري والثقافي والطبيعي، ويمنح الزائر فرصة لاكتشاف وطنٍ يمتلك من التنوع والإرث والمقومات ما يجعله وجهة استثنائية. وفي خضم هذا الحراك المتنامي، تبرز جمعية خبراء السياحة بوصفها كيانًا وطنيًا متخصصًا يسعى إلى أن تكون الخبرة السياحية معرفةً متاحة، وممارسةً احترافية، وأثرًا مستدامًا يخدم القطاع والمجتمع والوجهات السياحية في لمملكة.

وتأتي أهمية الجمعية من طبيعة المرحلة التي تعيشها السياحة السعودية، حيث لم تعد صناعة التجربة السياحية قائمة على المكان وحده، فالمكان مهما بلغت جاذبيته يحتاج إلى من يقرأ تفاصيله، ويعرف تاريخه، ويقدم قصته، ويحول زيارته إلى تجربة ثرية تبقى في ذاكرة السائح. ومن هنا تتجسد قيمة الخبراء والمختصين، بما يحملونه من تجارب ومعارف وقدرة على استشراف الفرص والتحديات، وهو ما تمنحه الجمعية مساحة للتلاقي والتعاون وتحويل الخبرة الفردية إلى قيمة يستفيد منها القطاع بأكمله.

وتعمل جمعية خبراء السياحة، باعتبارها جمعية أهلية غير ربحية تحت إشراف وزارة السياحة، على دعم وتنمية المجال السياحي من خلال إثراء المحتوى، وتأهيل المهتمين بالإرشاد السياحي، والتعريف بالوجهات والمعالم والموروث السعودي، والمساهمة في تطوير التجارب السياحية، إلى جانب بناء الشراكات التي تعزز حضورها ودورها في خدمة السياحة الوطنية.

وتزداد قيمة هذا الدور في ظل التنوع الكبير الذي تتمتع به المملكة، فالسعودية ليست وجهة واحدة وإنما حكايات متعددة تتوزع بين المدن التاريخية والقرى التراثية، والجبال والشواطئ، والصحارى والواحات، والمواقع الثقافية، والمهرجانات والفعاليات، والمشروعات السياحية الحديثة. وكل وجهة من هذه الوجهات تحمل قصة مختلفة تحتاج إلى من يرويها بصورة احترافية، ويكشف للزائر ما وراء المكان من تاريخ وثقافة وإنسان وذاكرة.

ومن هنا يصبح المرشد السياحي والمختص والخبراء في هذا المجال جزءًا أساسيًا من صناعة التجربة، لأن السائح لا يبحث فقط عن موقع يزوره، بل عن تجربة يشعر بها، ومعلومة يتذكرها، وقصة يأخذها معه بعد انتهاء الرحلة. وهذه الرؤية تجعل الاستثمار في الإنسان السياحي أحد أهم المسارات التي يمكن أن تسهم من خلالها الجمعية في مستقبل القطاع، فكلما ارتفعت كفاءة العاملين والمهتمين بالسياحة، ارتفع مستوى التجربة التي تقدم للزائر، وتعززت الصورة التي تتشكل لديه عن المملكة.

وفي هذا السياق، يمثل اهتمام الجمعية بالتدريب والتأهيل وبناء الشراكات مع المؤسسات التعليمية والتدريبية خطوة مهمة نحو ربط المعرفة الأكاديمية باحتياجات سوق العمل، وإتاحة المجال أمام الشباب والشابات لاكتساب الخبرة العملية، والانخراط في قطاع يتسع عامًا بعد عام ويحتاج إلى كفاءات وطنية قادرة على التعامل مع متطلبات السياحة الحديثة. كما أن الشراكات مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والقطاع غير الربحي تفتح آفاقًا أوسع أمام الجمعية لتحويل الأفكار إلى مبادرات، والمبادرات إلى مشاريع، والمشاريع إلى أثر ملموس.

وتحمل مدينة الطائف حضورًا خاصًا في مسيرة الجمعية، فهي مدينة تختصر جانبًا مهمًا من ثراء السياحة السعودية، بما تمتلكه من تاريخ عريق، وموروث ثقافي، وطبيعة مميزة، وموقع جعل منها عبر عقود طويلة إحدى الوجهات المحببة للزوار. ومن الطائف يمكن أن تنطلق رؤى وتجارب سياحية تمتد إلى مختلف مناطق المملكة، مستفيدة من الخبرات المحلية وقادرة على تقديم نموذج في كيفية استثمار المقومات السياحية وتحويلها إلى تجارب متكاملة.

إن ما يميز جمعية خبراء السياحة هو أن رسالتها تتجاوز مفهوم العمل المؤسسي التقليدي، فهي تلتقي عند مساحة تجمع الخبرة بالشغف، والمعرفة بالممارسة، والقطاع بالمجتمع. ومن خلال هذه المساحة يمكن أن تصبح الجمعية بيتًا للخبرات السياحية، ومنصة لتبادل التجارب والأفكار، ورافدًا معرفيًا ومهنيًا يواكب التطورات المتسارعة التي يشهدها القطاع.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة السياحية جزءًا من قرار السفر، يكتسب المحتوى أهمية لا تقل عن أهمية المكان نفسه. فالصورة التي تُلتقط، والقصة التي تُكتب، والمعلومة التي تُقدم، والدليل الذي يقود الزائر، كلها عناصر تشارك في تشكيل الانطباع عن الوجهة. ولذلك فإن إثراء المحتوى السياحي السعودي بمعلومات موثوقة ومواد احترافية تعكس الهوية المحلية يمثل مجالًا واسعًا يمكن للجمعية أن تؤدي فيه دورًا مؤثرًا، خصوصًا في ظل الحاجة إلى تقديم المملكة للعالم من خلال محتوى يعرف بثرائها ويعكس صورتها الحقيقية.

والسياحة في جوهرها ليست رحلة تبدأ بالوصول وتنتهي بالمغادرة، بل هي علاقة بين الإنسان والمكان، وذاكرة تتشكل من التفاصيل، وقصة يتناقلها الزائر بعد عودته. ولهذا فإن صناعة التجربة السياحية تحتاج إلى منظومة متكاملة تتشارك فيها الجهات الرسمية والمنشآت السياحية والخبراء والمرشدون والمجتمع المحلي والمؤسسات التعليمية والإعلام، وهو ما يجعل وجود جمعية متخصصة في خبرات السياحة إضافة مهمة إلى هذه المنظومة.

ومع الطموحات الكبيرة التي تحملها رؤية المملكة 2030، وما تشهده السياحة السعودية من نمو وتطور وارتفاع في حجم الاهتمام المحلي والعالمي، تبدو الحاجة أكثر إلحاحًا إلى بناء منظومة معرفية ومهنية تواكب هذا النمو، وتضمن أن تسير التنمية السياحية جنبًا إلى جنب مع تنمية الإنسان والخبرة والمحتوى.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

​سعوديو المنطلق والمسار.. شعب وقادة في خندق واحد

​بقلم: محمد باجعفر ​في عالمٍ يموج بالتغيرات والتحولات المتسارعة، وتتلاطم فيه أمواج التحديات والظروف الاقتصادية والجيوسياسية، تقف المملكة العربية السعودية كرمزٍ للثبات والمنعة، وكتلة واحدة لا تقبل التجزئة. ليست مجرد دولة على الخارطة، بل تجربة فريدة في التلاحم الوطني، تترجمها مقولة حية ترددها الأجيال: “نحن معاً يداً بيد.. قيادة وشعباً”. ​صف واحد.. وكلمة جامعة ​إن الوقوف صفاً واحداً مع الحكومة الرشيدة ليس مجرد شعار يُرفع في…

سلسلة حياتك السعيدة المقال (50): ميراث الرضا.. كيف تجعل قلبك حصنًا منيعًا ضد القلق؟

بقلم: د. عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان السعادة الحقيقية ليست في حياة تخلو تمامًا من الهموم، ولا في أيام تمضي دوماً وفق أمانينا، بل في قلب يستمد طمأنينته من الإيمان بالله تعالى، ويستقبل أقداره بالرضا، ويواجه تحديات الحياة بالأمل والعمل. وهذا هو «ميراث الرضا»؛ أن تأخذ بالأسباب وتعدّ لها ما استطعت، ثم تفوّض أمرك إلى الله سبحانه وتعالى واثقًا بحكمته ورحمته، فلا يطغيك الفرح، ولا يستولي…

لقد فاتك ذلك

مصر تشارك لأول مرة في مهرجان “ليستاباد” السينمائي

مصر تشارك لأول مرة في مهرجان “ليستاباد” السينمائي

بيئة العرضيات ينفذ ورشة عمل للتعريف بمنصة العمل التطوعي

بيئة العرضيات ينفذ ورشة عمل للتعريف بمنصة العمل التطوعي

بيئة العرضيات ينفذ ورشة تدريبية للمتدربات في مجال الإنتاج الحيواني 

بيئة العرضيات ينفذ ورشة تدريبية للمتدربات في مجال الإنتاج الحيواني 

تدشين محطة الفولية لإنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية.. الأولى في الجزائر والثانية في إفريقيا

تدشين محطة الفولية لإنتاج الطاقة الشمسية الكهروضوئية.. الأولى في الجزائر والثانية في إفريقيا

( علوم المرجلة) من الحبر إلى المنصّة.. نادي الريادة الأدبية يحتفي بأولى خطوات أشواق أبو سيف في عالم التأليف

( علوم المرجلة) من الحبر إلى المنصّة.. نادي الريادة الأدبية يحتفي بأولى خطوات أشواق أبو سيف في عالم التأليف

الجزائر وقطر تؤكدان أهمية دعم الجهود الرامية لتحقيق استقرار أسواق النفط

الجزائر وقطر تؤكدان أهمية دعم الجهود الرامية لتحقيق استقرار أسواق النفط

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode