دكتور حسن الأمير
المكاسب الهزيلة لا تليق بالجهود العظيمة وهدر الكرامة في معارك الصغار غبن للتاريخ الشخصي
على ضفاف العمر تقف النفس الأبية متأملة مسيرتها باحثة في دفاتر الأيام عن معاركها الكبرى لتدرك يقينًا أن أثمن ما يملكه المرء ليس ما يحوزه في يديه بل ما يصونه في صدره من كرامة وأنفة.
إن النفس التي جُبلت على التطلع نحو المعالي وصيغت همتها من سبيك الصبر والجلد لا يناسبها أن تلتفت إلى الفتات……….
كيف لقلب اتسع لطموحات تناطح السحاب وعقل صقل بمرارة التجارب وعظيم السعي أن يرضى في نهاية المطاف بفتات الموائد؟
إن المكاسب الهزيلة التي تأتي على حساب القيمة والمغانم التافهة هي إهانة صريحة للجهود العظيمة التي بذلت في بناء الذات………
فكل عرق تصبب في طريق المجد وكل سهر ومكابدة إنما كان مهرًا لغاية نبيلة وليس لجوائز باهتة تُعرض في أسواق الصغار……..
أشد ما يوجع التاريخ الشخصي للإنسان ويثلم ناصية كبريائه هو الانجرار إلى ساحات لا تشبهه والاشتباك في خصومات ضيقة مع ذوي الهمم الدنيئة……..
حين يهبط الكريم إلى مضامير الصغار مخترقًا غبار معاركهم الجانبية فإنه لا يخسر جولة فحسب بل يهدر في ذلك المستنقع كرامته التي هي رأسماله الوجودي.
إن معارك الصغار أشبه بطواحين الهواء غبارها كثيف ونفعها معدوم والمنتصر فيها خاسر لأن النصر في ساحة تافهة هو شهادة هبوط للمنتصر……….
هو غبن فاحش يلحق بالذاكرة والماضي وتشويه لسطور نقية كُتبت بجهد السنين……..
فما أتعس أن ينظر المرء خلفه في سنين نضجه ليجد أن بريق سيفه قد انطفأ في قطع طريق أو في جدال عقيم أو في ملاحقة ضغائن صغيرة بدلاً من أن يسطع في فتوحات الروح وبناء الأمجاد….
الرفعة الحقيقية تكمن في التسامي وفي الترفع عن مجاراة السفهاء وفي معرفة الوزن الحقيقي للنفس. فلتكن الجهود العظيمة محاطة بسياج من الأنفة ولتكن المعارك تليق بفرسانها فمن أراد التاريخ واحة لذكراه صان خطواته عن الهبوط وأبقى عينيه شاخصتين نحو القمم حيث لا صغار هناك
ولا مكاسب تهون أمامها العزة.








