بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه
من موقعٍ يهتم بالحانب التربوي، نشارك مادة تربوية مهمة بعنوان «معالم منهجية في التعامل مع الناس بواقعية»، تتناول جملة من المعالم الشرعية التي تعين الإنسان على بناء علاقاته مع الآخرين على أساس من الواقعية والاعتدال، بعيدًا عن المثالية المفرطة أو الإفراط والتفريط.
وبحكم عملي في التوجيه الطلابي قرابة 30 عامًا، أدركت أن التعامل مع الناس، ولا سيما الطلاب وأولياء الأمور والزملاء، يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والصبر وفهم طبيعة النفس البشرية؛ فالإنسان ليس معصومًا من الخطأ، كما أن الناس تتفاوت أحوالهم وصفاتهم، ومن هنا تأتي أهمية أن نتعامل معهم بوعي وتوازن.
الإنسان ليس معصومًا من الخطأ
أول هذه المعالم أن ندرك أن كل إنسان معرض للخطأ، فلا ينبغي أن نتعامل مع الآخرين بمثالية تجعلنا نقطع علاقاتنا بهم عند أول خطأ.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون» رواه ابن ماجه.
ومن جميل ما قيل في هذا المعنى: لا تتخذ لك أخًا بشرط ألا يخطئ؛ فإذا كان الخطأ الواحد كافيًا لإنهاء الأخوة، فلن تجد أخًا، لأنك أنت أيضًا غير معصوم من الخطأ.
وهذه قاعدة تربوية مهمة؛ فالإنسان الذي يطلب الكمال من الآخرين قد يحمّل علاقاته ما لا تحتمل، بينما الحكمة تقتضي أن ندرك طبيعة البشر، ونفرق بين الخطأ العارض والسلوك المستمر، وبين الزلة التي يمكن إصلاحها والخطأ الذي يحتاج إلى معالجة جادة.
الأخوة الإيمانية لا تسقط بالخطأ
ومن المعالم المهمة بقاء الأخوة الإيمانية، فالخطأ أو المعصية لا يعنيان بالضرورة زوال كل معاني الأخوة والمحبة.
قال تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9].
فمع وقوع القتال والبغي، بقي وصف الإيمان قائمًا، وأمر الله بالإصلاح بين المؤمنين.
ويقرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان قد تجتمع فيه أسباب المحبة وأسباب المعاداة، فيُوالى منه ما فيه من الخير، ويُكره منه ما فيه من الشر، بحسب ما اجتمع فيه من الصفات.
وهذا من أصول التعامل المتزن؛ فالإنسان قد يكون فيه خير وشر، وطاعة ومعصية، وإحسان وتقصير، ولا يعني وجود جانب سلبي أن تلغى جميع جوانبه الإيجابية.
انظر إلى الناس بعين التفاؤل
ومن المعالم كذلك النظر إلى الناس نظرة تفاؤل لا نظرة يأس؛ لأن اليأس من صلاح الآخرين قد يقود إلى ترك النصح والإصلاح، بينما التفاؤل يدفع الإنسان إلى العمل وبذل الخير.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن».
وفي الميدان التربوي، يحتاج المربي إلى هذه النظرة بصورة خاصة؛ فالطالب الذي يخطئ اليوم ليس بالضرورة هو نفسه غدًا، ومن الخطأ أن نحكم على مستقبل الإنسان من خلال موقف واحد أو مرحلة عابرة.
نقص جانب لا يعني انعدام الخير
ومن الأخطاء في التعامل مع الناس أن نرى جانبًا سلبيًا في شخصية الإنسان، ثم نعمم الحكم على شخصيته كلها.
وقد دلّت السنة النبوية على خلاف ذلك، ففي قصة الرجل الذي كان يُؤتى به بسبب شرب الخمر، قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن لعنَه أحد الصحابة: «لا تلعنوه، فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله» رواه البخاري.
فمع كون شرب الخمر من كبائر الذنوب، لم يمنع ذلك من إثبات جانب الخير في الرجل، وهو محبته لله ورسوله.
وهذه قاعدة عظيمة في التربية: لا تجعل خطأ الإنسان يلغي كل ما فيه من خير.
غلّب الخير ولا تغفل عن الخطأ
ومن المعالم أيضًا النظر إلى الخير الراجح في الإنسان، وخاصة ما يتعلق بالإيمان ومحبة الله ورسوله والأخلاق الحسنة والأعمال الصالحة.
قال الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله: إذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تُذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تُذكر المحاسن.
وقال الشاعر:
وإذا الحبيب أتى بذنب واحد
جاءت محاسنه بألف شفيع
وهذا لا يعني تجاهل الأخطاء أو تبريرها، وإنما يعني أن يكون الحكم على الإنسان متوازنًا، وأن لا تتحول الزلة إلى حكم شامل يمحو تاريخًا طويلًا من الخير.
تعامل مع الخطأ بإيجابية وحكمة
ومن أهم المعالم التعامل مع أخطاء الناس بإيجابية، ومن ذلك ما جاء في قصة الأعرابي الذي بال في ناحية من المسجد، فزجره الناس، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أمر بعد ذلك بصب الماء على موضع البول.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يتعامل مع الموقف بانفعال يزيد المشكلة، وإنما نظر إلى المآلات، واختار الأسلوب الذي يحقق المقصود بأقل مفسدة.
وهنا يظهر جانب مهم في التربية: ليس المقصود فقط أن نصحح الخطأ، بل أن نصححه بالطريقة المناسبة.
فقد يكون الأسلوب الخاطئ في معالجة السلوك سببًا في زيادة المشكلة بدلًا من حلها.
بين عين الشرع وعين القدر
ومن أعمق المعالم أن ينظر الإنسان إلى أهل المعاصي بعين الشرع وعين القدر.
فالشرع يقتضي إنكار الخطأ وعدم الرضا به، والقدر يقتضي الرحمة بالإنسان والنظر في حاله وأسباب خطئه، والسعي إلى إصلاحه بالأسلوب الذي يحقق المقصود.
وقد بيّن الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله أهمية الجمع بين الأمرين، فطالب العلم والداعية لا يكتفي بمجرد الغيرة على الدين، وإنما يحتاج إلى العلم والحكمة ومعرفة الطريقة التي تكون أقرب إلى إصلاح المخطئ وإزالة المكروه.
وهذا المعنى بالغ الأهمية في التربية؛ فالمربي الناجح لا يكتفي بأن يقول للطالب: «أنت مخطئ»، بل يبحث كذلك: كيف أصحح الخطأ؟ وكيف أحافظ على شخصية الطالب؟ وكيف أجعله يستفيد من الموقف بدل أن يتحول الخطأ إلى سبب للعزلة أو العناد؟
الواقعية تصنع علاقات أكثر توازنًا
إن التعامل مع الناس يحتاج إلى واقعية وإيجابية وحكمة؛ فلا مثالية تجعل الإنسان يطلب من الآخرين الكمال، ولا تساهل يجعله يتجاهل الأخطاء، وإنما توازن يرى الخير ويعالج الخطأ، ويحفظ العلاقة ويحقق الإصلاح.
وهذه المعالم لا يحتاج إليها الداعية والمربي فقط، بل يحتاج إليها كل إنسان في أسرته ومجتمعه وعمله وعلاقاته المختلفة.
وبحكم عملي في التوجيه الطلابي أرى أن من أهم ما يحتاج إليه الميدان التربوي أن نتعامل مع أبنائنا وطلابنا على أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وأن نفتح لهم أبواب الإصلاح، وألا نحاصرهم بأخطائهم الماضية، وأن نجمع بين الحزم في موضعه والرحمة والحكمة في موضعهما.
فالتربية ليست مجرد اكتشاف الأخطاء، وإنما هي إعانة الإنسان على تجاوز أخطائه، واكتشاف جوانب الخير فيه، وبناء شخصيته بصورة متوازنة.
وفي النهاية، فإن هذه المعالم المنهجية تعين المسلم والمربي والداعية على التعامل مع الناس بواقعية وإيجابية، بعيدًا عن المثالية التي قد تقود إلى اعتزال الناس، أو عن الانفعال الذي قد يجعل معالجة الخطأ سببًا في خطأ أكبر.
والحكمة والموعظة الحسنة، والرحمة، وحسن الظن، ومعرفة طبيعة النفس البشرية، كلها أدوات مهمة في طريق الإصلاح وبناء العلاقات الإنسانية المتوازنة.
مشاركة تربوية من أحد المواقع التي نهتم بها، لما تتضمنه من معانٍ مهمة في التعامل مع الناس والتربية والإصلاح.






