د . علي إبراهيم خواجي
رحلتَ يا عمي عبدالرحمن حسين خواجي أو كما عرفت به ( أبا سعيده ) وتركت في القلب غصة ، رحلتَ في هدوء يشبه هدوء حياتك ، دون ضجيج ، ودون أن تطلب من أحد شيئًا ، وكأنك اخترت أن يكون رحيلك امتدادًا لذلك العطاء الصامت الذي عشت به بين الناس .
رحلتَ وحيدًا ، لكنك لم تكن وحيدًا في قلوب من عرفوك .
فكم من قلبٍ تركت فيه أثرًا لا يزول ، وكم من محتاجٍ كنت له سندًا ، وكم من يتيمٍ وجد فيك أبًا حين غاب عنه الأب ، وكم من فقيرٍ كنت له عونًا في وقتٍ لم يجد فيه من يمد له يد المساعدة .
كنتَ صادقًا مع الجميع ، لا تعرف المواربة ، ولا تتعامل مع الناس إلا بقلبٍ واضح ونفسٍ كريمة . وكان عطاؤك في كثير من الأحيان بعيدًا عن أعين الناس ، تعطي ولا تنتظر شكرًا ، وتساعد ولا تبحث عن ثناء ، وتقف إلى جوار المحتاج وكأن مساعدته واجب عليك .
ولذلك فإن الذين سيشعرون بغيابك أكثر من غيرهم ليسوا فقط أفراد أسرتك ومحبيك ، بل أولئك الذين كانوا يجدون في حضورك أمانًا بعد الله ، وسندًا عند الحاجة ، ويدًا تمتد إليهم حين تضيق بهم الحياة .
عمي عبدالرحمن ..
ربما يقال إن الإنسان يرحل وحيدًا ، لكن بعض الناس يتركون خلفهم من الآثار ما يجعلهم حاضرين حتى بعد الرحيل ، وأنت واحد من هؤلاء .
سيبحث عنك ذلك اليتيم الذي اعتاد أن يجد منك السؤال والعون ، وسيفتقدك ذلك الفقير الذي كنت تعرف حاجته دون أن يطلب ، وسيتذكرك كل من ذاق منك موقفًا كريمًا أو كلمة طيبة أو مساعدة جاءت في وقتها .
وهنا يكمن عزاؤنا الحقيقي ..
أن الإنسان لا يُقاس بطول بقائه ، ولا بما جمعه لنفسه ، وإنما بما تركه في حياة الآخرين من خير وأثر وذكرٍ حسن .
لقد رحلتَ بجسدك ، لكن سيرتك ستبقى في المجالس ، وستبقى في ذاكرة من عرفوا كرمك ، وستبقى في دعوات أولئك الذين كنت سببًا بعد الله في تخفيف شيء من معاناتهم .
ولعل أجمل ما يمكن أن نهديه إليك بعد رحيلك هو الدعاء:
” اللهم إن عبدالرحمن بن حسين حسن خواجي قد نزل بك وأصبح ضيفًا عليك ، فأكرم نزله ، ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقّه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس .
اللهم اجعل كل يتيمٍ أعنته ، وكل فقيرٍ ساعدته ، وكل محتاجٍ وقفت معه ، وكل مسجد بنيته ، أو ساهمت في ترميمه ، وكل معروفٍ صنعته ، وكل ابتسامةٍ أدخلتها على قلب إنسان ، شاهدًا له لا عليه ، ونورًا في قبره ، وأجرًا جاريًا له .
اللهم اجعل ما قدمه في حياته ذخراً له بعد مماته ، وارفع درجته في المهديين ، واخلفه في أهله ومحبيه بخير ” .
عمي عبدالرحمن ..
لم تكن وحدك حين رحلت ، فقد كانت معك أعمالك التي سبقتك ، ودعوات المحتاجين الذين أعنتهم ، وذكريات من أحبك ، وأثرٌ طيب تركته في نفوس من عرفوك .
رحلتَ وحيدًا كما بدا لنا ، لكنني أؤمن أن من عاش للناس بالخير لا يرحل وحيدًا أبدًا .
نم قرير العين يا عمي ..
فقد تركت خلفك ما هو أبقى من المال ، وأجمل من المظاهر ، وأصدق من الكلمات : فقد تركتَ أثرًا في قلوب الناس .
رحمك الله رحمة واسعة ، وجعل قبرك روضة من رياض الجنة ، وجمعنا وإياك في مستقر رحمته .
إنا لله وإنا إليه راجعون .








