كاتبة رأي ايمان المغربي
في كل عمل إبداعي هناك حكاية لا نراها كاملة من النظرة الأولى
هناك وقت بذله صاحبه وتفاصيل وجهد وطاقة اجتمعت حتى خرج العمل بالصورة التي وصلتنا
وهناك أيضا عين أخرى تأتي بعد ذلك لترى العمل من زاوية مختلفة وربما تكتشف فيه شيئا لم يكن حاضرا في ذهن صاحبه وهو ينفذه
وهنا تبدأ علاقتنا الحقيقية بالإبداع
صاحب العمل يعرف قيمة ما قدمه ويعرف قدراته ويعرف مقدار ما بذله حتى خرج عمله إلى الناس
وهو أكثر من عاش تفاصيله ولذلك يعرف ما يستحقه من التقدير
لكن عندما أقول المبدع الحقيقي هنا فأنا لا أقصد صاحب العمل نفسه وإنما أقصد الشخص الذي يقف أمام عمل لم يصنعه ومع ذلك يستطيع أن يرى فيه إبداعا يستحق التقدير
ينظر إليه بإعجاب ويقول
هذا عمل يستحق التصفيق
وهذا الشخص ليس بالضرورة يكون مبدعا أو متخصصا في الإبداع وليس من الضروري أن يقدم أعمالا مشابهة
قد يراه البعض شخصا عاديا لأنه لا يظهر في المشهد بوصفه صاحب موهبة أو إنتاج إبداعي
لكنني لا أؤمن بفكرة الشخص العادي التي تلغي قدرته على رؤية الإبداع
فلكل إنسان إطاره الخاص الذي يرى من خلاله الأشياء ولديه قدر من المعرفة والثقافة والتجربة تسمح له بأن يميز العمل الجميل والمتقن
قد لا يملك هذا الشخص أدوات صاحب العمل ولا يعرف تفاصيل تنفيذه ولا يستطيع أن يقدم عملا مماثلا
لكنه يستطيع أن يرى ويفهم ويعجب ويقدر وهذه القدرة في حد ذاتها لها قيمة
وأحيانا يكون الإنسان قادرا على رؤية هذا الجمال وتقديره في داخله لكنه لا يظهر إعجابه ولا يعبر عنه رغم أنه يعرف أن العمل جميل ويستحق التقدير
وقد يكون السبب اختلافا مع صاحب العمل أو موقفا شخصيا منه
وأحيانا يكون الموقف من طرف واحد فقط
فقد يكون صاحب العمل لم يضع هذا الشخص في باله أصلا ولم يكن بينهما موقف أو خلاف من الأساس
لكن الطرف الآخر يحمل موقفا شخصيا منه وعندما يرى عمله لا يستطيع أن يفصل بين العمل وصاحبه
فيصبح الموقف من الشخص حاضرا في نظرته إلى العمل رغم أن صاحب العمل نفسه ربما لا يعرف أن هناك موقفا تجاهه
وهنا تصبح المشكلة ليست في العمل ولا في القدرة على رؤية الإبداع وإنما في أن الموقف من صاحبه أصبح حاضرا أكثر من العمل نفسه
قد يرى البعض عملا يستحق الإشادة لكنه يمتنع عن الإشادة به فقط لأن صاحبه لا يناسبه أو لأنه يحمل منه موقفا شخصيا
وهنا أرى أن الإنصاف أجمل
إذا رأيت عملا يستحق التقدير فأعجب به وعبر عن إعجابك وانظر أولا إلى ما قدمه لك العمل قبل أن تنظر إلى الشخص الذي يقف خلفه
فقيمة العمل لا تتغير بسبب علاقتنا بصاحبه
يمكنك أن تختلف مع شخص وألا تتفق معه في أشياء كثيرة وأن تكون بينكما مسافات في وجهات النظر لكن هذا كله لا ينبغي أن يمنعك من رؤية الجمال والجودة في العمل الذي أمامك
وقد لا يكون هناك اختلاف من الطرفين أصلا
فربما يكون أحدهما قد صنع موقفا في داخله تجاه الآخر بينما الطرف الآخر لم يضعه في حسابه ولم يكن مشغولا به ولم يكن بينهما ما يستدعي هذا الموقف من الأساس
ومع ذلك يبقى العمل أمامه فينظر إليه من خلال موقفه الشخصي لا من خلال قيمته
وهنا نخسر شيئا مهما عندما يمنعنا موقفنا من الشخص من تقدير ما أنجزه
لأننا بذلك نفقد فرصة أن يكون تقديرنا للإنجاز مستقلا عن علاقتنا بصاحبه
والإنصاف يعني أن نعطي العمل حقه وأن نقول عن العمل الجيد إنه جيد حتى لو لم تكن علاقتنا بصاحبه في أفضل حالاتها
يمكنك أن تختلف مع الشخص وتقدر عمله وأن تختلف معه في أشياء كثيرة ثم تقول بكل وضوح
هذا العمل جميل ومتقن ويستحق التقدير
وهذا ليس تناقضا لأن الاختلاف مع الإنسان شيء وتقدير ما قدمه شيء آخر
والعمل الواحد يمكن أن يرى من زوايا متعددة
كل شخص قد يلتفت إلى الجانب الذي يعنيه
وقد يرى أحدهم جانبا واحدا بينما يرى آخر أكثر من جانب وقد يرى شخص ثالث العمل كله بطريقة مختلفة
وربما يكتشف أحدهم فكرة أو تفصيلا لم يكن حاضرا حتى في ذهن صاحب العمل نفسه
وهنا تكمن إحدى جماليات الإبداع
فالعمل الواحد قد يفتح أكثر من باب للنظر والتفكير
وليس مطلوبا من الجميع أن يروا الشيء نفسه ولا أن تتطابق قراءاتهم حتى يكون العمل مميزا
بل إن اختلاف الزوايا قد يعني أن العمل ترك مساحة لكل شخص ليكتشف فيه شيئا جديدا
واختلاف الرؤية لا يعني اختلاف قيمة العمل
وأحيانا يستطيع الإبداع أن يقرب مسافات صنعتها الاختلافات
فقد يجعلك عمل ما تتوقف أمامه حتى لو كنت لا تعرف صاحبه أو لا تنسجم معه أو تختلف معه في وجهات النظر
وهنا تصبح قوة العمل أكبر من المسافة الموجودة بين الأشخاص
الإبداع لا يلغي الاختلاف لكنه يستطيع أن يصنع مساحة يلتقي فيها المختلفون على قيمة العمل نفسه
ومع كل هذا الاختلاف هناك أمر لا يختلف عليه اثنان
أن العمل المتميز والمتقن يفرض نفسه
فالعمل الإبداعي لا يحتاج في كل مرة إلى أن يشرح نفسه أو يثبت قيمته للجميع
إذا كان متقنا وفكرته واضحة وقيمته حاضرة فإنه يجد طريقه إلى من يعرف قيمة الإبداع
وتظهر قيمة الإبداع ليس فقط في عين صاحبه وإنما أيضا في عين شخص لم يصنعه ولم يعش تفاصيله ومع ذلك استطاع أن يراه ويقدره
وربما تكون من أجمل الشهادات لصاحب العمل أن يأتي التقدير من شخص لا تربطه به علاقة ولا يعرف مقدار الجهد الذي بذله ولا يعرف الرحلة التي مر بها حتى وصل إلى النتيجة
هذا الشخص رأى العمل وحده فتوقف أمامه وأعجب به وقال
هذا عمل يستحق التقدير
وهذا النوع من الإعجاب له معنى مختلف لأنه لم يأت من معرفة سابقة ولا من مجاملة ولا من علاقة تجمع الطرفين وإنما جاء من العمل نفسه
فقد استطاع العمل أن يصل إلى شخص لم يشارك صاحبه الرحلة ولم يعرف تفاصيلها لكنه استطاع أن يرى النتيجة ويقدرها
أن ترى العمل قبل أن ترى صاحبه هو أحد أشكال الإنصاف
وأن تقدر الإبداع حتى عندما يأتي من شخص لا تنسجم معه هو تقدير حقيقي للعمل نفسه
وهنا يظهر الفرق بين أن تختلف مع شخص وبين أن تنكر قيمة ما صنعه
فالإنسان المنصف يستطيع أن يقول
لا أتفق معك في أشياء كثيرة لكنني أستطيع أن أعترف بأن هذا العمل جميل ومتقن ويستحق الإشادة
وهذا ليس مجاملة وإنما إنصاف للعمل نفسه
فإعطاء العمل حقه يعني أن نحترم الإبداع قبل أن ننظر إلى صاحبه
ومن أجمل صور الإبداع أن يصنع الإنسان شيئا يجعل شخصا يختلف معه يتوقف أمامه ويعجب به
فربما يستطيع العمل أن يخفف مساحة التنافر وأن يصنع مساحة يلتقي فيها المختلفون على قيمة ما قدمه صاحبه
وهذا يخبر صاحب العمل بأن ما صنعه تجاوز تجربته الخاصة ووصل إلى عين أخرى استطاعت أن تراه وتقدره
وليس مطلوبا من صاحب العمل أن يكون قريبا من كل من يرى عمله حتى يحصل على التقدير
كما أنه ليس مطلوبا من المشاهد أن يكون قريبا من صاحب العمل حتى يعترف بجمال ما صنعه
في النهاية كل شخص يبدع بطريقته وكل عمل متميز ومتقن يفرض نفسه
وربما تكون أفضل شهادة للعمل أن يأتي تقديره من شخص كان موقفه من صاحبه قادرا على منعه من الإعجاب لكنه اختار أن ينظر إلى العمل وحده
فالعمل لا يحتاج منا أن نحب صاحبه حتى نعترف بقيمته
ولا يحتاج منا أن نتفق معه حتى نقدر ما صنعه
يكفي أن يكون العمل جديرا بأن نراه وأن نتأمله وأن نعطيه حقه وأن نقول عنه بكل صدق
هذا عمل يستحق التصفيق
باختصار يا سيداتي ويا سادة
كل واحد يبدع بطريقته








