بقلم: الدكتور عثمان بن عبدالعزيز آل عثمان
جعلُ السعادةِ مرتبطةً بما عند الناسِ من اهتمامٍ أو تقديرٍ قد يجعلُ الإنسانَ عرضةً للتقلُّبِ؛ يفرحُ لإقبالِهم، ويحزنُ لإعراضِهم، وينتظرُ منهم ما قد لا يستطيعون تقديمَه.
أما القلبُ المؤمنُ فيستمدُّ طمأنينتَه من صلتِه باللهِ تعالى، وحسنِ ظنِّه به، وتوكُّلِه عليه، ورضاه بما قدّرَه سبحانه وتعالى. قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
وعزةُ النفسِ لا تعني تركَ الناسِ أو الاستغناءَ عن حاجاتِهم المشروعةِ، وإنما تعني ألا يجعلَ الإنسانُ كرامتَه وسعادتَه معلَّقتين بمدحِ الناسِ أو إقالِهم أو انتظارِ ما في أيديهم.
ومن أعظمِ ما يعينُ على ذلك: صدقُ التوكُّلِ على اللهِ تعالى، والإخلاصُ له، والقناعةُ بما رزقَ، والصبرُ على ما أصابَ، وشكرُه على ما أنعمَ به.
فإذا امتلأ القلبُ يقينًا باللهِ تعالى، أصبحَ الإنسانُ أهدأَ في مواجهةِ الخيباتِ، وأبعدَ عن التكلُّفِ، وأقدرَ على العطاءِ والإحسانِ دون أن يجعلَ ثناءَ الناسِ غايةً لعملِه.
تأملات (411–420)
411. الثقةُ باللهِ تعالى وحسنُ الظنِّ به من أسبابِ ثباتِ القلبِ عند الشدائدِ؛ فإذا ضاقتِ الأسبابُ، فالجأْ إلى اللهِ تعالى، واسألْه الفرجَ والعونَ، ولا تيأسْ من رحمتِه.
412. الهدوءُ وضبطُ النفسِ من الأخلاقِ التي تعينُ على التعاملِ الحكيمِ مع الخلافاتِ الأسريةِ؛ فالكلمةُ الطيبةُ، والعفوُ، والصبرُ، وحسنُ الاستماعِ، من أسبابِ دوامِ المودَّةِ والرحمةِ.
413. الرضا بقضاءِ اللهِ تعالى لا يعني تركَ الأخذِ بالأسبابِ، وإنما يعني اطمئنانَ القلبِ إلى تقديرِ اللهِ تعالى، مع السعيِ فيما ينفعُ، والصبرِ على ما لا يملكُ الإنسانُ دفعَه. قال الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
414. البساطةُ في الضيافةِ وتركُ التكلُّفِ من الأمورِ التي تبعثُ الراحةَ في النفوسِ؛ والمقصودُ أن يكرمَ الإنسانُ ضيفَه بما يستطيعُ، دون إسرافٍ أو مشقَّةٍ أو تحميلِ النفسِ ما لا تطيقُ.
415. القربُ من اللهِ تعالى يكونُ بطاعتِه، والإكثارِ من ذكرِه، والمحافظةِ على فرائضِه، واجتنابِ ما نهى عنه؛ وكلما ازدادَ المؤمنُ صلةً بربِّه، ازدادَ حرصًا على ما ينفعُه في دينِه ودنياه.
416. صلاحُ القلبِ وحسنُ الخلقِ من أعظمِ ما يتركُ أثرًا في تربيةِ الأبناءِ؛ فالقدوةُ الصالحةُ لها أثرٌ بالغٌ، والكلمةُ الطيبةُ والسلوكُ الحسنُ يرسخانِ القيمَ في النفوسِ.
417. شكرُ اللهِ تعالى على النِّعمِ يحفظُ للإنسانِ شعورَه بفضلِ ربِّه؛ قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7]. فليكنِ الحمدُ للهِ تعالى حاضرًا في السراءِ والضراءِ، ولنشكرْه على ما نعلمُ من نِعمِه وما لا نعلمُ.
418. سلامةُ الصدرِ من الحقدِ والضغينةِ خُلُقٌ كريمٌ، والعفوُ عن الناسِ والإحسانُ إليهم من أسبابِ صلاحِ القلبِ. قال الله تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22].
419. طمأنينةُ القلبِ تكونُ بذكرِ اللهِ تعالى وطاعتِه، وليس المقصودُ بالانقطاعِ عن الناسِ أو تركِ مسؤولياتِ الحياةِ؛ فالمؤمنُ يعيشُ بين الناسِ، ويؤدي حقوقَهم، ويجعلُ قلبَه متعلِّقًا باللهِ تعالى. قال الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28].
420. البلاءُ قد يكونُ سببًا للأجرِ ورفعِ الدرجاتِ إذا صبرَ المسلمُ واحتسبَ؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إن أمرَه كلَّه له خيرٌ» رواه مسلم. فليصبرِ المسلمُ عند البلاءِ، وليحتسبْ الأجرَ عند اللهِ تعالى، مع الأخذِ بالأسبابِ المشروعةِ لدفعِ الضررِ.
كلمة أخيرة
عزةُ النفسِ الحقيقيةُ ليست في الاستعلاءِ على الناسِ، ولا في قطعِ العلاقاتِ، ولا في رفضِ طلبِ المساعدةِ عند الحاجةِ، وإنما في أن يكونَ القلبُ معلَّقًا باللهِ تعالى، مستعينًا به، راجيًا فضلَه، مع الأخذِ بالأسبابِ المشروعةِ وحسنِ التعاملِ مع الخلقِ.
لا تجعلْ مدحَ الناسِ مصدرَ قيمتِك، ولا ذمَّهم سببًا لانكسارِك، ولا تجعلْ عطاكَ لهم مشروطًا بانتظارِ المقابلِ. اعملْ للهِ تعالى، وأحسنْ إلى الناسِ، واحفظْ كرامتَك، وكنْ متواضعًا من غيرِ ضعفٍ، وعزيزًا من غيرِ كِبرٍ.
وتذكَّرْ أن المؤمنَ يجمعُ بين أمرينِ عظيمينِ: حسنِ الصلةِ باللهِ تعالى، وحسنِ التعاملِ مع خلقِ اللهِ؛ فيسألُ اللهَ تعالى العونَ، ويأخذُ بالأسبابِ، ويصبرُ على ما أصابَه، ويشكرُه على ما أنعمَ به عليه.
أسألُ اللهَ سبحانه وتعالى أن يرزقَنا قلوبًا مطمئنَّةً بذكرِه، ونفوسًا عزيزةً بطاعتِه، وحسنَ ظنٍّ به، وتوكُّلًا عليه، وأن يرزقَنا الصبرَ عند البلاءِ، والشكرَ عند النعماءِ، والإخلاصَ في القولِ والعملِ، وحسنَ الخلقِ، وسلامةَ الصدرِ، وأن يجعلَنا مفاتيحَ للخيرِ مغاليقَ للشرِّ، وأن يباركَ لنا في أعمارِنا وأعمالِنا وأهلِنا وذرّياتِنا، ويجعلَ أثرَنا طيبًا نافعًا في الدنيا والآخرةِ.
ونلتقي بكم يوم الخميس إن شاء الله تعالى، في محطةٍ جديدةٍ من «سلسلة حياتك السعيدة»، ومع تأملاتٍ جديدةٍ نواصلُ بها طريقَ الأملِ واليقينِ وصناعةِ الأثرِ.
#سلسلة_حياتك_السعيدة
#الدكتور_عثمان








