بقلم / أميرة مشاري
في يومه العالمي… لا تُهدوا المعلّم وردة.
فالوردة ستذبل، والعبارة الجميلة ستغادر شاشة الهاتف، والصورة التذكارية ستختفي بين مئات الصور، بينما سيعود المعلّم في صباح اليوم التالي إلى فصله، يحمل مسؤولية أكبر بكثير من كل الكلمات التي قيلت عنه.
إن أردنا الاحتفاء به حقًا، فلنمنحه ما هو أبقى من الورد: مكانته.
فالمعلّم ليس موظفًا يقف أمام سبورة ليشرح درسًا ثم يغادر، وليس رقمًا في جدول الحصص، ولا صوتًا ينتهي أثره بانتهاء العام الدراسي. المعلّم أحد أولئك الذين يعملون بصمت داخل أخطر مساحة في حياة الأمم: عقول أبنائها.
وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية.
فالطالب الذي يجلس اليوم في آخر مقعد، منشغلًا بدفتره الصغير، قد يكون بعد سنوات طبيبًا يجري عملية دقيقة، أو مهندسًا يصمم مشروعًا ضخمًا، أو باحثًا يكتشف علاجًا، أو مسؤولًا يتخذ قرارًا يمس حياة الآلاف.
لكن قبل كل تلك الألقاب، مرّ ذلك الإنسان من أمام معلّم.
معلّم صحح له حرفًا.
ثم فكرة.
ثم ربما صحح له نظرة كاملة إلى نفسه والحياة.
وهذا ما يجعل التعليم مختلفًا عن كثير من المهن؛ لأن نتائج عمل المعلّم لا تظهر كلها في نهاية الشهر، ولا يمكن اختصارها في تقرير أو رقم. بعض نتائجها تحتاج عشرين عامًا حتى نراها تمشي أمامنا على هيئة إنسان ناجح.
وربما هنا يكمن أجمل ظلمٍ يتعرض له المعلّم: أن العالم يرى النتيجة، وينسى من بدأها.
نصفق للطبيب حين ينجح، ونحتفي بالعالم حين يبتكر، ونرفع صور المبدعين حين يتفوقون، وهذا حقهم، لكن خلف كثير من تلك النجاحات أسماء لم تظهر في الصورة.
معلم قال لطالب خائف: حاول.
ومعلمة اكتشفت موهبة طفلة قبل أن يكتشفها الجميع.
وآخر رفض أن يسمح لطالب متعثر بأن يصدق أنه فاشل.
إن صناعة الإنسان ليست مهمة سهلة.
وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى الطالب خلال ثوانٍ عبر هاتفه، لم تعد قيمة المعلّم في امتلاك المعلومة وحدها؛ بل أصبحت مهمته أعمق: أن يعلّم الطالب كيف يفكر، وكيف يسأل، وكيف يميز، وكيف يستخدم المعرفة دون أن يصبح أسيرًا لها.
قد تستطيع التقنية أن تقدم ألف معلومة في ثانية، لكنها لا تستطيع أن تعرف دائمًا متى يحتاج الطالب إلى كلمة ثقة، أو نظرة تشجيع، أو شخص يقول له: لا تجعل إخفاقًا واحدًا يحدد مستقبلك.
هنا لا نتحدث عن كتاب.
نحن نتحدث عن إنسان يبني إنسانًا.
وفي وطن يضع الإنسان والمعرفة والطموح في قلب مستقبله، فإن الاستثمار في المعلّم ليس شأنًا تعليميًا فحسب؛ إنه استثمار في مستقبل الوطن ذاته.
لأن جودة المستقبل تبدأ من جودة العقول التي ستصنعه، والعقول تبدأ رحلتها من المدرسة.
لذلك، في الخامس من أكتوبر، لا ينبغي أن يكون السؤال: ماذا سنقول للمعلم في يومه؟
السؤال الأهم هو:
ماذا قدمنا له بعد أن انتهت الكلمات؟
هل حفظنا مكانته؟
هل منحناه الثقة التي يستحقها؟
هل أدركنا حجم الأمانة التي يحملها؟
وهل علّمنا أبناءنا أن احترام المعلّم ليس سلوكًا مدرسيًا، بل قيمة؟
يوم المعلم ليس مناسبة لنقول فيها «شكرًا» ثم نمضي.
إنه تذكير سنوي بحقيقة قد ننساها وسط ضجيج الحياة:
أن أعظم المباني ليست دائمًا تلك التي ترتفع أمام أعيننا.
بعضها يمشي بيننا على قدمين.
إنها الإنسان.
والمعلّم… أحد أعظم من شاركوا في بنائه.
لذلك لا تُهدوه وردة فقط.
أعطوه المكانة التي لا تذبل.







