كانت آخر محاولة قبل الرحيل

 

الكاتبة / وجنات صالح ولي

نحن لا نرحل من أول خيبة، ولا نغادر عند أول موقف يؤلمنا، بل نبقى ونحاول، ونمنح الفرص واحدة تلو الأخرى، لأن بعض الأشخاص كانت لهم في قلوبنا مكانة كبيرة، تجعلنا نبحث لهم عن الأعذار حتى بعد أن تبدأ أفعالهم في هدم تلك المكانة. نعطي الفرصة لأننا نريد أن نصدق أن ما حدث كان عابرًا، وأن القادم سيكون أفضل، فنصمت مرة، ونتجاوز مرة، ونتحدث ونوضح ما يؤلمنا مرة أخرى، ثم نعود ونمنح فرصة جديدة، ليس لأننا لا نرى، وإنما لأننا كنا نرى أكثر مما ينبغي، ونشعر أكثر مما ينبغي، ونحاول الحفاظ على علاقة كان لها عندنا قيمة حقيقية. لكن كثرة الخيبات تُعلّم الإنسان شيئًا لا يتعلمه بسهولة؛ أن الفرص حين تتكرر دون تغيير، تتحول من مساحة للإصلاح إلى استنزاف للمشاعر، وأن الاعتذار الذي لا يتبعه اختلاف في السلوك، لا يعيد الثقة، وإنما يؤجل النهاية فقط. وفي كل مرة كنا نقول: ربما تكون هذه المرة مختلفة، حتى جاءت المرة التي لم يعد لدينا فيها شيء نقوله. لم نعد غاضبين كما كنا، ولا نريد شرحًا جديدًا، ولا ننتظر اعتذارًا، ولا نبحث عن سبب يجعلنا نبقى. وصلنا إلى مرحلة أصبح فيها الرحيل أكثر راحة من محاولة أخرى. وهنا تكون آخر محاولة قبل الرحيل مختلفة عن كل المحاولات السابقة؛ لأننا لا نحاول إقناعهم بالبقاء، بل نحاول إقناع أنفسنا بأننا فعلنا كل ما نستطيع. وبعدها نغادر دون تأنيب ضمير، لا لأننا لم نحب، بل لأننا أحببنا وحاولنا وصبرنا ومنحنا فرصًا كثيرة، وربما أكثر مما ينبغي. أحيانًا لا يكون الرحيل عقابًا لأحد، بل إنقاذًا لما تبقى منا. لا نغادر رغبة في الانتقام، ولا نلتفت خلفنا بحثًا عن ندمهم، وإنما نغادر لأننا أدركنا أن بعض الأبواب لا تُغلق كراهية، بل احترامًا لأنفسنا. والأصعب أن بعضهم لا يعرف أن فرصته الأخيرة كانت فعلًا الأخيرة؛ لأننا لم نعلنها، ولم نهدد بالرحيل، ولم نقل: هذه المرة لن أسامح. فقط حدث شيء في داخلنا، انطفأ معه الانتظار، وسقطت الرغبة في المحاولة، وانتهى ذلك الجزء الذي كان يمد يده كل مرة ليصلح ما أفسده الآخرون. عندها يصبح الرحيل هادئًا جدًا، بلا ضجيج، بلا عتاب طويل، وبلا التفات. ليس لأن كل شيء أصبح بخير، بل لأننا تعبنا من محاولة إصلاح ما لم يكن في أيدينا إصلاحه. ولعل أكثر ما يؤلم في كثرة الفرص أننا نكتشف متأخرين أن بعض الأشخاص لم يكونوا بحاجة إلى فرصة جديدة، بقدر ما كنا نحن بحاجة إلى أن نصدق أن الشخص الذي أحببناه لم يعد هو الشخص الذي أمامنا. لذلك، حين تكون آخر محاولة هي الرحيل، لا تحمل نفسك ذنب النهاية. تذكر أنك لم تصل إليها فجأة، بل وصلت بعد طريق طويل من الصبر والتجاوز والانتظار والخيبات. وحين تغادر بعد كل ذلك، لا تكن قاسيًا على قلبك؛ فقد فعلت ما استطعت، وحان الوقت أن تمنح نفسك الفرصة التي ظللت تمنحها للآخرين. فالرحيل الحقيقي لا يبدأ عندما نغادر المكان، بل عندما نتوقف عن انتظار أن يتغير من أوجعنا وخذلنا.

صدى نيوز اس 1

Related Posts

جنون

  محمد الرياني تركت حذائي مهرولًا حافيًا باتجاه الرمضاء ، تناديني بأعلى صوتها يامجنون البس حذاءك فأمامك الرمضاء وقد تلقى حتفك ولكن مجيب ! لم أستمع إليها لأني أعلم أن شجاعتي تتحدى الرمضاء ، كنت مستعجلًا وأن حذائي ستحد من خفتي وسرعتي بعد الهروب ، كنت في بداية النهار والشمس مشرقة ، والأرض مازلت تحتفظ ببقايا الليل حيث لاتزال باردة . مضى الوقت وأنا أركض ركضَ…

الخفّاش… معجزة تمشي في الظلام

  حين ينام العالم وتغيب الشمس، يبدأ كائن غامض رحلته في ليل الطبيعة… كائن ظنه الناس غريبًا، لكنه في الحقيقة آية من آيات الخالق، تحمل بين جناحيه أسرارًا علمية مذهلة. إنه الخفّاش 🦇 🔹 ليس طائرًا.. لكنه يطير! الخفاش من الثدييات، يلد ويرضع صغاره، ومع ذلك فهو المخلوق الوحيد من فصيلته الذي يطير بحق. جناحاه ليسا من الريش، بل غشاء رقيق يمتد بين أصابعه الطويلة، وكأنه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

جمعية نجوم السياحة بعسير تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96

جمعية نجوم السياحة بعسير تحتفي باليوم الوطني السعودي الـ96

«بيئة الباحة» تنفذ 656 جولة رقابية خلال سبتمبر

«بيئة الباحة» تنفذ 656 جولة رقابية خلال سبتمبر

بالعيش والملح انطلاق مهرجان اللغة والثقافة الروسية

بالعيش والملح انطلاق مهرجان اللغة والثقافة الروسية

متوسطة أوس بن حبيب تكرّم فضيلة الشيخ الدكتور ظافر الشهري

متوسطة أوس بن حبيب تكرّم فضيلة الشيخ الدكتور ظافر الشهري

جنون

جنون

أكاليل التكريم لأشبال الكشافه في رحاب مكة

أكاليل التكريم لأشبال الكشافه في رحاب مكة

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode