بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه
يُعدّ التعلق بالله سبحانه وتعالى من أعظم أعمال القلوب وأجلّها، فهو أساس الطمأنينة، ومصدر الثبات في مواجهة تقلبات الحياة ومحنها، حين يدرك الإنسان أن الله وحده مالك النفع والضر، والمتفرد بالخلق والتدبير والتقدير، وأن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ﴾، وهي حقيقة عظيمة ينبغي أن تستقر في قلب المؤمن، فيكون رجاؤه بالله، واستعانته به، وتوكله عليه، ولجوؤه إليه في جميع شؤونه.
وحين يتعلق القلب بربه يطمئن، وحين يعتمد عليه يجد الكفاية، وحين يفوض أمره إليه يجد الهداية والرعاية. أما تعلق القلب بالمخلوق أو بالسبب من الأسباب، فلا ينبغي أن يتحول إلى اعتماد قلبي عليه؛ فالمؤمن يأخذ بالأسباب، لكنه يعلم في الوقت نفسه أن الأسباب لا تستقل بالتأثير، وإنما الأمر كله لله سبحانه وتعالى.
فالإنسان المريض يأخذ الدواء، والمحتاج يسعى في طلب الرزق، والمسافر يأخذ بأسباب السفر، والطالب يجتهد في دراسته، وصاحب العمل يسعى في أسباب النجاح، لكن القلب يظل متعلقًا برب الأسباب، لا بالأسباب ذاتها.
وقد قال النبي ﷺ: «إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله»، فيكون هذا التوجيه النبوي أصلًا راسخًا في حياة المسلم: أن يسأل الله، ويستعين به، ويرجوه، ويتوكل عليه.
ويظهر أثر التعلق بالله بوضوح في أوقات الشدة والمحن، فعندما تضيق الأسباب وتتراجع قدرة الإنسان، يبقى باب الله مفتوحًا، ولا يعجزه سبحانه أمر. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
ومن أعظم صور التعلق بالله صدق الدعاء، وكثرة الرجاء، واللجوء إليه عند نزول الكرب، والثقة بوعده، وحسن الظن به. فإذا تأخرت إجابة الدعاء، فلا ينبغي للمؤمن أن يستبطئ فضل الله، وإذا لم يرَ ما يرجوه، فلا يسيء الظن بربه؛ فقد يكون في تأخير الأمر أو صرفه خير ورحمة لا يدركهما الإنسان في حينهما.
قال الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
كما أن صدق التعلق بالله يظهر في قوة التوكل عليه، وأن يكون خوف العبد من الله أعظم من خوفه من الخلق، ورجاؤه فيما عند الله أعظم من رجائه فيما عند الناس، وثقته بوعد الله أقوى من ثقته بما في أيدي المخلوقين.
وفي المقابل، يحذر الإسلام من تحويل التعلق بالمخلوقات إلى عبادة أو اعتقاد يقدح في التوحيد، كدعاء غير الله أو طلب ما لا يقدر عليه إلا الله، أو صرف شيء من أنواع العبادة لغيره سبحانه. فالدعاء عبادة، والعبادة لا تكون إلا لله وحده.
ومن صور التعلق المحرّم ما يرتبط بالتمائم والحروز والتعاويذ التي تُعلّق لدفع البلاء أو رفعه، وقد جاءت النصوص الشرعية بالتحذير منها؛ لأن المؤمن مطالب بأن يعلّق قلبه بالله وحده، وأن يعلم أن الحفظ والنفع والضر بيد الله سبحانه وتعالى.
ولا يعني التوكل على الله ترك الأسباب، بل التوكل يجمع بين الأخذ بالأسباب واعتماد القلب على الله. فالعمل بالأسباب من الحكمة، أما اعتماد القلب عليها استقلالًا فهو أمر آخر. ولهذا ينبغي للمسلم أن يسعى ويجتهد، ثم يفوض النتائج إلى الله، مطمئنًا إلى حكمته وتقديره.
وتظهر حقيقة التعلق بالله عندما تتقلب الأحوال، وتنزل المحن، وتغلق بعض أبواب الدنيا؛ فباب الرجاء بالله لا يُغلق، وإذا تعسر أمر على الإنسان فلا يتعسر على الله شيء، وإذا ضعفت قدرة العبد فلا تقف أمام قدرة الله حدود.
ومن تعلق قلبه بالله هانت عليه متاعب الدنيا، لأنه يعلم أن ربه أرحم به من نفسه، وأعلم بما يصلحه، وأحكم في تقديره. كما يدرك أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه، فيعيش بقلب أكثر سكينة، ونفس أكثر ثباتًا، وإيمان أكثر رسوخًا.
إن التعلق بالله وحده ليس مجرد معنى يُقال، بل منهج حياة ينعكس على سلوك الإنسان وقراراته ونظرته إلى المستقبل. فهو الذي يمنح القلب الطمأنينة عندما تضطرب الحياة، ويمنحه القوة عندما تضعف الأسباب، ويمنحه الأمل عندما تشتد الأزمات.
وحين يصدق الإنسان في تعلقه بربه، يصبح أكثر قدرة على مواجهة الحياة بثقة ورضا، لأنه يعلم أن الله سبحانه وتعالى حسبه وكافيه، وأن من كان الله معه فلا خوف عليه، ومن توكل على الله كفاه.
ومن هنا تظل أعظم وصية للقلب المؤمن: أن يعلّق رجاءه بالله، ويستعين به، ويحسن الظن به، ويأخذ بالأسباب المشروعة، دون أن يجعل قلبه أسيرًا لمخلوق أو سبب أو ظرف؛ فالله وحده هو الملجأ، وعليه التكلان، وإليه المصير.







