بقلم: الدكتور معدي حسين علي آل حيه
ونحن نودع اخا” حبيب وزميل غالي ومعلم قدير وافته المنية يوم الخميس 27 ربيع ثاني عام 1448هجري اقول في هذا المقال ليست كل كلمات الرثاء قادرة على التعبير عن ألم الفقد، ولا تستطيع الحروف مهما بلغت من البلاغة أن تفي إنسانًا عزيزًا حقه حين يرحل، ويترك خلفه ذكريات لا تُنسى، ومواقف تستقر في القلوب، وأثرًا طيبًا يبقى شاهدًا على جمال الروح ونبل الأخلاق.
بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، وبمشاعر يملؤها الحزن والأسى، نودّع الأستاذ جمال محمد العطاف، أحد رجال التربية والتعليم بمنطقة عسير الذين لم تكن رسالتهم محصورة في أداء العمل، بل تجاوزت ذلك إلى بناء الإنسان، وغرس القيم، وتعزيز المحبة، وصناعة الأثر الجميل في نفوس الطلاب والزملاء وكل من عرفه وتعامل معه.
لقد كان جمال العطاف اسمًا يحمل في ذاكرة المدرسة معاني المحبة والوفاء والتواضع، ورجلًا استطاع بأخلاقه وابتسامته وطيب تعامله أن يكسب محبة طلابه، وثقة أولياء الأمور، وتقدير زملائه ومنسوبي المدرسة. ولم تكن هذه المحبة وليدة موقف عابر، بل ثمرة سنوات من التعامل الصادق، والمواقف النبيلة، والعطاء الذي لم يكن ينتظر مقابلاً أو ثناءً.
الاستاذ جمال معلم لا يكتفي بشرح الدرس.. بل يصنع الأثر في النفوس
من أجمل ما يميز المعلم الناجح أنه يدرك أن رسالته لا تنتهي عند شرح المقرر الدراسي، وأن المدرسة ليست مكانًا لتلقي المعلومات فحسب، بل بيئة لبناء الشخصية، وتهذيب السلوك، وتعزيز القيم.
وهذا ما كنت أراه في زميلنا الراحل الأستاذ جمال العطاف، الذي كان يستثمر حصصه الدراسية في توجيه الطلاب ونصحهم، ويربط بين موضوع الدرس وما يحتاج إليه أبناؤنا من قيم وأخلاق وسلوكيات إيجابية. فقد كان يرى في الطالب إنسانًا يحتاج إلى العلم والتربية معًا، ويحرص على أن يخرج من الحصة بفائدة تتجاوز حدود الكتاب إلى واقع الحياة.
ولا تزال عالقة في ذاكرتي إحدى المواقف التي لن أنساها؛ حين دخلت عليه أحد فصول الصف الثاني المتوسط، فإذا به يوجه الطلاب وينصحهم، ويتحدث إليهم حديث المربي الحريص على مستقبل أبنائه، مستثمرًا وقت الحصة في غرس المعاني الطيبة في نفوسهم، رابطًا بين الدرس الذي يقدمه والتوجيهات التربوية التي يحتاج إليها الطلاب.
كان ذلك المشهد كافيًا ليكشف عن جانب أصيل من شخصيته؛ فالتعليم عنده لم يكن مجرد شرح وأداء واجب، وإنما رسالة ومسؤولية وأمانة. وكان يدرك أن كلمة صادقة يقولها المعلم في وقتها قد تترك أثرًا في نفس الطالب لا تمحوه السنوات.
ولعل أجمل شهادة على نجاحه في هذه الرسالة أن عددًا من الطلاب الذين تخرجوا من المدرسة قبل سنوات ظلوا يذكرونه بالخير، ويسألون عنه، ويحتفظون له بمكانة خاصة في نفوسهم. وحين بلغهم خبر وفاته، لم يقف حزنهم عند سماع النبأ، بل أخذوا يسألون عن موعد الصلاة عليه ومكان الدفن والعزاء، في مشهد يكشف مقدار المحبة التي زرعها في قلوبهم، وعمق العلاقة التي بناها معهم خلال سنوات دراستهم.
إنها محبة لا تُفرض بسلطة المعلم، ولا تُكتسب بمجرد أداء الواجب، بل تنشأ حين يشعر الطالب أن أمامه إنسانًا يحترمه، ويحرص على مصلحته، وينصحه بصدق، ويتعامل معه بقلب المربي قبل أن يكون معلمًا.
جمال العطاف صاحب أخلاق جمعت القريب والبعيد
كان الأستاذ جمال صاحب ابتسامة حاضرة، وخلق كريم، وتواضع يشهد به من عرفه. لم يكن يقتصر في سلامه على من تربطه بهم صلة قريبة أو علاقة خاصة، بل كان يسلم على القريب والبعيد، ويبادر بالتحية، ويقابل الجميع بوجه بشوش وكلمة طيبة.
وهذه التفاصيل التي قد تبدو بسيطة في نظر البعض هي في حقيقتها من أعظم أبواب التأثير في الناس؛ فالسلام يعزز المودة، والابتسامة تفتح القلوب، وحسن التعامل يجعل الإنسان قريبًا من النفوس دون تكلف أو تصنع.
وفي بيئة العمل، حيث تتعدد الشخصيات وتختلف وجهات النظر، كان جمال مثالًا للزميل الذي يحرص على بقاء العلاقات الطيبة بين زملائه. وكان لا يرضى بالخطأ، لكنه في الوقت نفسه يسعى إلى الإصلاح والتأليف بين المعلمين إذا ظهر نقص أو حدث اختلاف في وجهات النظر، حرصًا منه على أن تبقى بيئة العمل قائمة على التعاون والاحترام والتفاهم.
ومن خلال عملي معه، لم أعلم أن خلافًا وقع بينه وبين أحد من منسوبي المدرسة على نحو يسيء إلى العلاقة المهنية، ولم أعلم أن شكوى صدرت بحقه من زميل أو ولي أمر. وهذه شهادة أذكرها في حدود ما عايشته وعلمته خلال سنوات العمل معه، وتدل على ما كان يتمتع به من حسن تعامل، وحرص على احترام الآخرين، وقدرة على كسب القلوب.
جمال العطاف زميل وفيّ.. وعطاء لا ينتظر المقابل
لم يكن عطاء جمال العطاف مقتصرًا على الفصل الدراسي، بل امتد إلى زملائه ومناسباتهم، وإلى المدرسة وبرامجها وأنشطتها. فقد كان خدومًا لزملائه، حريصًا على مشاركتهم أفراحهم ومناسباتهم، ومن صور كرمه أنه كان يتيح لهم الاستفادة من استراحته، ويضعها في خدمتهم، في موقف يعكس سعة نفسه وكرمه ووفاءه.
كما كان داعمًا لأنشطة المدرسة وبرامجها، حريصًا على نجاح المبادرات التي تخدم الطلاب وترتقي بالعمل المدرسي، وكان لدعمه برامج التوجيه الطلابي مكانة خاصة في مواقفه التي أعتز بها.
وبحكم عملي في التوجيه الطلابي، كنت أحرص على تكريم الطلاب المتفوقين والمتميزين، وكان جمال، رحمه الله، إذا حدثته عن الطلاب الأوائل، طلب مني أسماءهم، ثم يبادر بالتبرع بإعداد دروع تذكارية وتشجيعية لهم، دعمًا لتفوقهم وتحفيزًا لهم على مواصلة النجاح.
ولم يكن ينتظر مقابلًا ماديًا على ما يقدمه، بل كان يرفض أن يأخذ شيئًا نظير هذه المبادرات، وكأن سعادته الحقيقية تتمثل في رؤية الطلاب يُكرَّمون، ويشعرون بأن جهودهم محل تقدير، وأن هناك من يفرح بنجاحهم ويشجعهم على التميز.
إن هذا الموقف وحده يكشف عن نفس تربوية تؤمن بأن تكريم الطالب ليس مجرد درع يُسلَّم، بل رسالة تقدير قد ترفع همته، وتعزز ثقته بنفسه، وتدفعه إلى مزيد من الاجتهاد والعطاء.
ولقد كان دعمه للتوجيه الطلابي صورة من صور الشراكة الحقيقية بين المعلم والموجه الطلابي وإدارة المدرسة؛ شراكة تقوم على الإيمان بأن نجاح الطالب مسؤولية مشتركة، وأن المدرسة تنجح حين تتضافر جهود منسوبيها لخدمة أبنائها.
موقف شخصي لن أنساه ما حييت مع الاستاذ جمال العطاف
ومن المواقف التي تكشف عن نبل أخلاقه ووفائه لزملائه، أنني طلبت منه ذات يوم أن يخفف عن نفسه بعض الأعباء، وأن يتيح لي تدريس أربع حصص من نصابه في مادة التربية الإسلامية، رغبة مني في التخفيف عنه ومساعدته في أعباء العمل.
لكنني فوجئت بموقفه الكريم، إذ رفض طلبي، وقال لي بمعنى واضح وصريح: إن لديك جهودًا تبذلها في المدرسة، وإن عملك يكفيك، وإنه يقدّر ما تقوم به من مسؤوليات. ثم ذكر أنه كان يلاحظ أحيانًا تأخري عن إحدى الحصص، فيجدني في الفصل أشرح للطلاب وأؤدي عملي.
لقد كان بإمكانه أن يوافق على طلبي، وأن يستفيد من هذا التخفيف، لكنه اختار أن يقدّر جهدي، وأن يرفض تحميلِي مزيدًا من الأعباء، في موقف بقي في ذاكرتي؛ لأنه كشف عن إنسان لا ينظر إلى الأمور من زاوية مصلحته وحدها، بل يضع ظروف الآخرين وجهودهم في اعتباره.
كان هذا الموقف رسالة صادقة عن أخلاقه؛ فالوفاء لا يظهر في الكلمات الجميلة وحدها، وإنما يتجلى في المواقف التي يقدّر فيها الإنسان غيره، ويحفظ له جهده، ويشعره بأن عمله محل احترام.
ولعل مثل هذه المواقف هي التي تجعل بعض الزملاء أكثر من مجرد رفقاء عمل؛ تجعلهم إخوة في المهنة، وشركاء في الرسالة، وأشخاصًا تبقى ذكراهم حاضرة في الوجدان مهما امتدت السنوات.
شهادة زميل عرفه منذ أيام الدراسة
ومن الشهادات التي تضيف إلى سيرته بعدًا آخر، ما حدثني به أحد زملائه، المشرف التربوي الأستاذ خالد أبو دامة، عن معرفته بالأستاذ جمال منذ مراحل الدراسة المتوسطة والثانوية، ثم المرحلة الجامعية.
فقد وصفه بأنه كان صاحب خلق وتواضع مع الجميع، وأن ما كان يتمتع به من سعة في الحال لم يغيّر من طبيعته، ولم يجعله يتعالى على أحد، بل ظل قريبًا من الناس، وفيًّا لزملائه القدامى، حريصًا على التواصل معهم وعدم نسيانهم مهما تغيرت الظروف وتباعدت الأيام.
وتكشف هذه الشهادة عن جانب مهم من شخصيته؛ فالأخلاق الحقيقية لا تتبدل بتبدل الظروف، والتواضع الأصيل لا يرتبط بحال من الأحوال المادية أو الاجتماعية. وقد كان جمال، بحسب ما نقله زميله، حريصًا على الاحتفاظ بعلاقاته القديمة، ومواصلة التواصل مع رفاق دراسته، وكأن سنوات العمر ومشاغل الحياة لم تستطع أن تنسيه أصحاب البدايات والذكريات الأولى.
إن الوفاء للأصدقاء القدامى خُلُق لا يقدر عليه إلا من يعرف قيمة العِشرة، ويحفظ للناس مكانتهم في قلبه، ولا يجعل اختلاف الظروف سببًا للابتعاد أو التالمدر
رحيل جمال العطاف ترك أثرًا يتجاوز جدران المدرس
حين نرى محبة الطلاب لمعلمهم بعد تخرجهم، ووفاء زملائه له، وحرصه على خدمة المدرسة ودعم برامجها، ندرك أن أثر الإنسان لا يُقاس بعدد السنوات التي قضاها في العمل، بل بما تركه خلالها من مواقف وذكريات وقيم.
لقد كان جمال العطاف قريبًا من طلابه، محبوبًا عند أولياء أمورهم، صاحب خلق مع زملائه، مبادرًا إلى الخير، كريمًا في عطائه، حريصًا على الإصلاح بين الناس، ومحبًا لأن يرى المدرسة في أفضل حالاتها.
ولذلك لم يكن خبر وفاته خبرًا عابرًا بالنسبة إلى كثير من طلابه السابقين؛ فقد أعاد إلى ذاكرتهم صورة المعلم الذي عرفوه، والكلمة التي سمعوها منه، والابتسامة التي استقبلهم بها، والنصيحة التي ربما لم يدركوا قيمتها يومًا، ثم عرفوا أثرها مع مرور الزمن.
وهنا تتجلى عظمة الرسالة التعليمية؛ فالمعلم قد يغادر المدرسة، لكنه لا يغادر بالضرورة ذاكرة طلابه. وقد ينتهي الدرس بانتهاء الحصة، لكن أثره قد يستمر في حياة الطالب سنوات طويلة. وهذا من أعظم ما يتركه المربي من إرث لا يُشترى بالمال ولا يُقاس بالمناصب.
كلمة وفاء في حق الراحل
إن الكتابة عن الأستاذ جمال محمد العطاف ليست مجرد محاولة لتوثيق الحزن، وإنما هي شهادة وفاء لرجل عرفناه في ميدان العمل، ورأينا منه مواقف تستحق أن تُروى، وأخلاقًا تستحق أن تُذكر، وعطاءً يستحق أن يُشكر.
وأنا إذ أكتب هذه الكلمات، لا أدعي أنني أحطت بجميع جوانب شخصيته، وإنما أسجل بعض ما عرفته عنه، وما عشته معه، وما نقله إليّ زملاؤه، وما شهد به طلابه ومحِبّوه. وهي مواقف تؤكد أن الإنسان يستطيع أن يترك أثرًا عظيمًا من خلال عمله اليومي، وحسن تعامله، وإخلاصه في أداء رسالته.
لقد علّمنا جمال، بمواقفه قبل كلماته، أن المعلم الحقيقي هو من يجمع بين العلم والأخلاق، وأن الزميل الوفي هو من يقدّر جهود الآخرين، وأن الكرم ليس في المال وحده، بل في الوقت والموقف والمبادرة، وأن التواضع لا ينتقص من قدر صاحبه، بل يزيده رفعة في أعين الناس.
رحمك الله يا أبا تميم، رحمة واسعة، وغفر لك، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ما قدمته لطلابك وزملائك ومدرستك في ميزان حسناتك، وجعل كل نصيحة أسديتها، وكل طالب شجعته، وكل مبادرة دعمتها، وكل معروف قدمته، شاهدًا لك لا عليك.
نسأل الله أن يجزيك عن طلابك وزملائك خير الجزاء، وأن يجبر قلوب أسرتك وأهلك وقبيلتك ومحبيك، وأن يلهمهم الصبر والسلوان.
ستبقى ذكراك حاضرة في المدرسة التي عملت فيها، وفي نفوس الطلاب الذين أحبّوك، وفي قلوب الزملاء الذين عرفوا وفاءك، وفي ذاكرة كل من لمس فيك خلقًا كريمًا أو موقفًا نبيلًا.
رحلت يا جمال، لكن أخلاقك بقيت، ومواقفك بقيت، وأثرك بقي، وستظل سيرتك الطيبة أبلغ من كثير من الكلمات.
رحمك الله رحمة الأبرار، وجعل الفردوس الأعلى دارك ومستقرك.
إنا لله وإنا إليه راجعون.







