ا/محمد باجعفر
في تفاصيل حياتنا اليومية، ومورثنا الشعبي العريق، إشارات بليغة ومعانٍ تتكئ على بيئة الصحراء وقسوتها، لكنها تولد دفئاً إنسانياً فريداً. ومن أجمل هذه التعبيرات وأكثرها وقعاً في النفوس، مقولة: “طاح الحطب”؛ تلك العبارة البسيطة في ألفاظها، العميقة في دلالاتها، والتي تُعلن بوضوح انتهاء العتاب، وبداية صفحة جديدة قوامها التسامح وصفاء القلوب.
أصل الحكاية والدلالة
يعود أصل هذا المثل إلى مجالس العرب وتقاليد الضيافة؛ حيث كان إشعال النار (القرى) في البادية رمزاً للترحيب بالضيف وإكرامه، وأحياناً ما تُوقد نيران أخرى للنقاش أو حتى للتعبير عن حِدة الموقف وغضب الصدور. وحين تهدأ النفوس ويزول الخلاف، يترك الحطب ليسقط أو يتناثر رماده إيذاناً بأن لهيب الغضب قد انطفأ، ولم يبقَ سوى الدفء والمحبة.
إنها استعارة بليغة لتبريد الصدور الساخنة، وإخماد نيران الجفاء. فكما أن النار تأكل الحطب حتى تنهيه، فإن التسامح يأكل الأحقاد ويقضي عليها، فلا يبقى بعد سقوط الحطب سوى الرماد الهامد الذي تذروه رياح الصفح الجميل.
ثقافة التسامح في مجتمعنا
ما أحوجنا اليوم، في زحمة الحياة ومشاغلها، إلى استعادة روح هذا المثل في علاقاتنا الإنسانية. فالخلافات وو وجهات النظر المختلفة أمر طبيعي بين البشر، ولكن غير الطبيعي هو استمرار الجفاء، وتضخم الصدور، وقطع حبال التواصل.
إن عبارة “طاح الحطب” ليست مجرد جملة عابرة نقالها لإنهاء موقف، بل هي مبادرة شجاعة تعكس نبل النفس وكرم الأخلاق. فالشجاعة الحقيقية لا تكمن في الانتصار بالخصومة، بل في القدرة على مد يداصلح، والترفّع عن صغائر الأمور، إيماناً بأن القلوب الطيبة أثمن بكثير من كبرياء المواقف.
عندما تُزهر القلوب من جديد
حين نقول “طاح الحطب”، فإننا لا نمحو الذاكرة، بل نعيد كتابتها بحبر التوافق. هي دعوة صادقة لنفض غبار العتب، وإعادة المياه إلى مجاريها العذبة.
لتكن قلوبنا دائماً كالأرض الطيبة التي ينتفع منها الجميع، ولنترك للحطب أن يسقط، ولنبقِ على دفء اللقاء، وصفاء الود، وصلة الرحم والأخوة التي لا تقوضها عواصف الخلاف العابرة.







