حين يبتعد النقد عن الفكرة 

 

كاتبة رأي ايمان المغربي

النقد مساحة نراجع فيها أفكارنا ونستمع إلى وجهات نظر مختلفة ونكتشف جوانب ربما لم ننتبه إليها. فمناقشة الأفكار تتيح لنا فرصة لفهمها بصورة أوسع حتى عندما نختلف معها لأن الاختلاف لا يمنع الاستفادة من الرأي الآخر ولا يلغي حق كل طرف في التعبير عن وجهة نظره

لكن النقاش قد يبتعد احياناً عن الفكرة المطروحة وينتقل إلى صاحبها فيصبح الاهتمام منصباً على الشخص بدلاً من مضمون ما قاله وهنا تبرز أهمية التمييز بين مناقشة الفكرة والتعليق على صاحبها فلكل منهما مساحة مختلفة والخلط بينهما قد يصرف الحوار عن هدفه الأساسي

والتعامل مع النقد يحتاج إلى قدر من الوعي فليس كل تعليق يستدعي رداً مطولاً وليس كل اختلاف يحتاج إلى دفاع أحياناً يكون الإيضاح كافياً واحياناً يكون الاكتفاء بعرض وجهة النظر هو الخيار الأنسب خاصة عندما لا يضيف استمرار النقاش شيئاً جديداً

وفي المقابل فإن تقبل النقد لا يعني الموافقة على كل ما يُطرح كما أن الاختلاف مع فكرة لا يعني بالضرورة رفضها بالكامل فقد نجد في رأي مختلف جانباً يستحق التأمل وقد نتمسك بوجهة نظرنا بعد مراجعتها لأن الاستماع إلى الآخرين لا يلزمنا بتبني آرائهم وإنما يمنحنا فرصة لفهم ما يطرحونه وتقييمه

ومن الطبيعي أن تختلف نظرتنا إلى الأفكار باختلاف معارفنا وتجاربنا واهتماماتنا فما يراه شخص مناسباً قد لا يناسب غيره، وما يجده أحدهم مفيداً قد لا يجد فيه الآخر ما يبحث عنه لذلك فإن عدم اقتناعنا بفكرة لا يعني بالضرورة أنها بلا قيمة كما أن إعجابنا بها لا يجعلها مناسبة للجميع

وإذا وجدنا جانباً غير واضح في فكرة ما فإن السؤال عن المقصود بها يساعد على فهمها بصورة أدق فقد يكون ما فهمناه مختلفاً عما أراد صاحب الفكرة التعبير عنه وقد يكشف التوضيح جوانب لم تكن ظاهرة في البداية ولهذا فإن الاستفسار قبل إصدار الحكم يمنحنا فرصة أفضل لفهم الموضوع كما طُرح

والأفكار بدورها قابلة للمراجعة والتطوير فقد يطرح الإنسان رأياً في مرحلة معينة بناءً على ما لديه من معرفة ثم يقرأ أكثر ويكتسب خبرات جديدة تجعله يعيد النظر في بعض جوانبه وقد يضيف إليه ما يجعله أكثر وضوحاً أو يعدل جزءاً منه أو يتبنى رأياً مختلفاً بعد أن تتسع معرفته.

وهذا أمر طبيعي في رحلة التعلم فمراجعة الرأي لا تعني دايماً أن الفكرة السابقة كانت بلا قيمة بل قد تكون هي نفسها نقطة انطلاق نحو فهم أوسع وليس من الضروري أن تبقى أفكار الإنسان على صورتها الأولى طوال حياته فالمعرفة الجديدة قد تضيف إليها أو تغير بعض جوانبها

كما أن اختلاف الآراء لا يعني بالضرورة أن أحد الطرفين على صواب في كل ما يقول أو أن الآخر مخطئ في كل ما يطرح فقد يتفق الطرفان في جوانب ويختلفان في أخرى وقد يقدم كل منهما زاوية تستحق النظر وتظل قيمة النقاش في وضوح الحجج والقدرة على فهم وجهات النظر لا في مجرد الوصول إلى اتفاق كامل

ومن المهم ايضاً أن ندرك أن طريقة التعبير تؤثر في مسار الحوار فالملاحظة الواضحة التي تركز على مضمون الفكرة تساعد على فهم موضع الاختلاف بينما قد تؤدي العبارات الشخصية إلى صرف الانتباه عن الموضوع نفسه ولهذا فإن اختيار الكلمات المناسبة لا يقل أهمية عن الحرص على أن يكون النقد مفهوماً ومحددا

وعندما تبقى المناقشة في إطار الفكرة يستطيع صاحبها أن ينظر في الملاحظات المقدمة إليه فيأخذ منها ما يراه مفيداً ويترك ما لا يقتنع به ويعيد النظر فيما يحتاج إلى مراجعة ولا يعني ذلك أن يتخلى عن رأيه لمجرد اختلاف الآخرين معه بل أن يمنح نفسه فرصة للتفكير قبل اتخاذ موقف نهائي

ومن حق كل إنسان أن يعبر عن فكرته ومن حق الآخرين أن يختلفوا معه أو ألا يقتنعوا بها وليس مطلوباً من الجميع أن يتفقوا على رأي واحد كما أن اختلافهم لا يستلزم أن يتحول النقاش إلى محاولة لإقناع كل طرف للآخر بضرورة تبني موقفه.

فالحوار المفيد لا يشترط أن ينتهي باتفاق فقد ينتهي بفهم أوضح أو بمعلومة جديدة أو بإدراك سبب الاختلاف وقد يخرج كل طرف منه محتفظًا برأيه لكنه أصبح أكثر فهماً لوجهة نظر الطرف الآخر وهذا في حد ذاته جانب إيجابي من جوانب النقاش

ومن هنا تأتي أهمية الفصل بين الفكرة وصاحبها فنناقش ما طُرح ونوضح ما نراه ونسأل عما نحتاج إلى فهمه مع احترام حق الآخرين في التعبير عن آرائهم ومراجعتها متى رأوا ذلك مناسبًا فليس من الضروري أن نتفق حتى نحافظ على الاحترام المتبادل

ويبقى السؤال الذي يمكن أن نطرحه على أنفسنا عند الاختلاف: هل نناقش الفكرة ومضمونها أم ابتعدنا عن الموضوع إلى أمور لا تساعد على فهمه؟

إن وضوح الفكرة لا يتطلب موافقة الجميع كما أن اختلاف الآراء لا ينتقص من حق أي طرف في التعبير عن وجهة نظره وما دام النقاش قائماً على توضيح الأفكار وفهمها فإن لكل طرف أن يراجع ما يراه جديراً بالمراجعة وأن يحتفظ بما يقتنع به دون أن يجعل الاتفاق شرطاً لاستمرار الاحترام

فاحترام الإنسان يظهر ايضاً في طريقة الاختلاف معه بأن نناقش فكرته بوضوح ونختلف معها حين لا نقتنع بها ونترك له حقه في التعبير عنها ومراجعتها دون أن يتحول اختلافنا مع ما يطرحه إلى انشغال بشخصه بدلاً من الفكرة نفسها

صدى نيوز اس 1

Related Posts

صمود وطن 

  مرشدة فلمبان كاتبة سعودية من خلال متابعتي لما يجري مؤخرََا من أحداث مسيئة لكيان الوطن.. لابد من امتطاء صهوة التمرد والحزم على كل المعتدين المتطاولين على بلادنا وقدسياتها لن ندعهم ينهشون أمن الدولة واستقرارها.. وزعزعة الأمان والسلام فيها.. من خلال الهجمات والإعتداءات المتكررة بيد شراذمة الفتن والتسلط المقيت على دولتنا لهو أمر لايمكن السكوت عنه.. هذه الشراذمة بمعية شياطين العالم الذين هم في الحقيقة ينتمون…

الابتلاء في موطن الاصطفاء.. حين تصبح النعمة ميدانًا للاختبار

  بقلم الدكتور معدي حسين علي آل حيه من السنن الإلهية التي تتجلى في قصص الأنبياء والصالحين أن الابتلاء قد يقع في أعز ما يملكه الإنسان، وفي أخص ما أنعم الله به عليه؛ فقد تكون النعمة نفسها ميدانًا للاختبار، ويصبح موطن التكريم موطنًا للامتحان، لتظهر حقيقة العبودية، ويتجلى صدق الصبر والشكر والتسليم لأمر الله سبحانه وتعالى. ويبرز هذا المعنى في قول الله تعالى على لسان سليمان…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

صمود وطن 

صمود وطن 

عمرو موسى: أمن السعودية خط أحمر والاعتداء عليها تهديد للأمن العربي بأسره.. ونحن أمام لحظة نكون فيها أو لا نكون

عمرو موسى: أمن السعودية خط أحمر والاعتداء عليها تهديد للأمن العربي بأسره.. ونحن أمام لحظة نكون فيها أو لا نكون

قاعة جمال العطاف بتعليم عسير.. وفاءٌ لا يغيب وأثرٌ يبقى

قاعة جمال العطاف بتعليم عسير.. وفاءٌ لا يغيب وأثرٌ يبقى

بيئة مكة تنفذ مبادرة تطوعية لتنظيف شاطئ المحازم بجدة

بيئة مكة تنفذ مبادرة تطوعية لتنظيف شاطئ المحازم بجدة

حين يبتعد النقد عن الفكرة 

حين يبتعد النقد عن الفكرة 

الابتلاء في موطن الاصطفاء.. حين تصبح النعمة ميدانًا للاختبار

الابتلاء في موطن الاصطفاء.. حين تصبح النعمة ميدانًا للاختبار

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode