طمأنينة مستعارة خلف حدود القلق… حين يبحث الأمان عن أبواب بعيدة

بقلم: كمال فليج  _ الجزائر

في عالم تتشابك فيه المصالح وتتصادم فيه الحسابات الاستراتيجية، لم تعد العلاقات الدولية تُبنى دائمًا على التقارب الجغرافي أو الانسجام السياسي، بل أصبحت في كثير من الأحيان محكومة بهاجس الأمن، ومخاوف اختلال موازين القوى، والبحث عن ضمانات خارجية في محيط إقليمي مضطرب.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز ظاهرة تستحق التأمل. حين تضيق مساحات الثقة بين الجيران، تتجه بعض الدول نحو أطراف بعيدة، بحثًا عن مظلة سياسية أو أمنية تمنحها شعورًا بالاطمئنان. وقد تجد في إعادة ترتيب التحالفات وسيلة لموازنة النفوذ، أو تعزيز القدرات الدفاعية، أو تأمين مصالحها في مواجهة تحديات تراها مقلقة.

لكن هل تمنح التحالفات البعيدة طمأنينة حقيقية، أم أنها تؤجل المخاوف وتعيد إنتاجها في صورة جديدة؟

يفرض الجوار الجغرافي على الدول واقعًا لا يمكن تغييره بسهولة. فالدول المتجاورة تتقاسم الحدود والمصالح ومصادر المياه وطرق التجارة، وقد تجمعها روابط تاريخية وثقافية، كما قد تفرقها خلافات سياسية وتنافسات استراتيجية.

وعندما تتراجع الثقة، تتحول الجغرافيا من فرصة للتعاون إلى مصدر للقلق، وتصبح الحسابات الأمنية حاضرة في كل خطوة دبلوماسية. وفي مثل هذه الظروف، قد تبحث بعض العواصم عن شركاء خارج محيطها المباشر، اعتقادًا منها أن تنويع التحالفات يمنحها قدرة أكبر على مواجهة الضغوط.

غير أن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا التوجه من سياسة لتنويع العلاقات إلى اعتماد مفرط على قوى خارجية، أو عندما تصبح مخاوف الجوار مبررًا لإعادة صياغة علاقات كانت، إلى وقت قريب، محكومة باعتبارات تاريخية أو مواقف سياسية راسخة.

فالأمن الوطني حق مشروع لكل دولة، لكن وسائل تحقيقه تظل محل تقييم، خصوصًا عندما تتجاوز آثارها حدود الدولة المعنية وتمس توازنات المنطقة بأكملها.

في الشرق الأوسط، تقدم اتفاقيات أبراهام التي أُعلنت عام 2020 مثالًا على تداخل الحسابات الأمنية والاقتصادية والدبلوماسية في مسارات التطبيع. فقد أقامت الإمارات والبحرين علاقات رسمية مع إسرائيل، ثم اتجه المغرب إلى تطبيع العلاقات معها، بينما ارتبط المسار السوداني بظروف سياسية مختلفة. وتناولت دراسات تحليلية هذه الاتفاقيات من زاوية المصالح التجارية والتعاون الأمني وتصورات التهديدات الإقليمية.

وتكشف هذه التجارب أن السياسة الخارجية لا تتحرك بدافع واحد. فقد تبحث دولة عن التكنولوجيا والاستثمار، وتسعى أخرى إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، بينما ترى دولة ثالثة في التقارب الدبلوماسي وسيلة لتحسين موقعها التفاوضي لدى القوى الدولية.

لكن تعدد المصالح لا يلغي ضرورة طرح أسئلة جوهرية حول طبيعة هذه العلاقات وحدودها. فهل تظل الشراكة محصورة في المصالح الاقتصادية والدبلوماسية، أم تتوسع لتشمل ترتيبات أمنية تؤثر في موازين القوى الإقليمية؟ وهل تمنح الدولة هامشًا أوسع للحركة، أم تجعل بعض خياراتها مرتبطة بحسابات الشريك الجديد؟

إن الإجابة لا تُستخلص من التصريحات الرسمية وحدها، بل من طبيعة الاتفاقيات، ومسار تنفيذها، والنتائج التي تترتب عليها.

قد يمنح التقارب مع قوة خارجية شعورًا مؤقتًا بالقدرة على مواجهة التهديدات، لكنه لا يضمن بالضرورة إزالة أسباب التوتر. فالتحالفات التي تتشكل في بيئة يسودها انعدام الثقة قد تدفع أطرافًا أخرى إلى إعادة حساباتها، والبحث عن شراكات مضادة، أو تعزيز قدراتها العسكرية تحسبًا لتغير موازين القوى.

وهنا تظهر المفارقة. فالدولة التي تبحث عن مزيد من الأمن قد تجد نفسها داخل شبكة من الالتزامات المتبادلة، تجعل قراراتها أكثر ارتباطًا بتوازنات لا تتحكم فيها بالكامل. وقد يتحول الشريك الذي يوفر لها بعض عناصر القوة إلى طرف يمتلك بدوره مصالح وأولويات لا تتطابق بالضرورة مع مصالحها.

ولا يعني ذلك أن كل تحالف خارجي يؤدي إلى التصعيد، أو أن تنويع الشراكات خطأ في حد ذاته. فالعلاقات الدولية تقوم على تبادل المصالح، وقد تسهم الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي والأمني في خفض التوتر عندما تُدار ضمن قواعد واضحة وتحترم سيادة الدول.

غير أن الفارق يبقى كبيرًا بين شراكة تعزز استقلال القرار الوطني، وأخرى تجعل الأمن رهينًا بمظلة خارجية، وبين تعاون يفتح أبواب الحوار، وتقارب يُستخدم في سياق المنافسة على النفوذ.

لا يمكن تناول التطبيع في المنطقة العربية بمعزل عن القضية الفلسطينية، لما تحمله من أبعاد تاريخية وسياسية وإنسانية. فالعلاقات الدبلوماسية قد تفتح قنوات للتواصل وتتيح فرصًا للتأثير، لكنها لا تعني تلقائيًا تحقيق السلام، ولا تنهي بمفردها قضايا الاحتلال والحقوق الوطنية الفلسطينية.

وقد أظهرت التطورات الإقليمية أن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يظل عاملًا مؤثرًا في مستقبل العلاقات العربية الإسرائيلية. كما أن توسيع التعاون الاقتصادي والأمني لا يعفي الأطراف المعنية من مسؤولية العمل من أجل تسوية عادلة ومستدامة تستند إلى القانون الدولي والقرارات الأممية ذات الصلة.

ومن هذا المنطلق، فإن أي مقاربة للتطبيع تحتاج إلى تقييم يتجاوز المكاسب الثنائية المباشرة. فالمعيار لا يقتصر على حجم الاستثمارات أو فرص التعاون أو التفاهمات الأمنية، بل يشمل أيضًا أثر هذه العلاقات على فرص السلام، وحقوق الشعب الفلسطيني، واستقرار المنطقة.

إن البحث عن الأمن حق مشروع، كما أن تنويع العلاقات الدولية خيار متاح للدول وفق مصالحها الوطنية. لكن نجاح أي سياسة خارجية يرتبط بقدرتها على تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن ومقتضيات السيادة، وبين المصالح الآنية والعواقب بعيدة المدى.

فالدول القوية لا تحتاج إلى تحويل كل خلاف مع جارها إلى مبرر للبحث عن حليف بعيد، كما لا تحتاج إلى إغلاق أبواب التعاون مع الخارج. إنها تحتاج إلى دبلوماسية قادرة على إدارة الخلافات، ومؤسسات تحمي القرار الوطني من الارتجال، وشراكات تقوم على المصالح المتبادلة بدل الارتهان لحسابات الآخرين.

والأهم أن أمن المنطقة لا يمكن أن يستقر بصورة دائمة إذا ظل قائمًا على الخوف المتبادل، أو على بناء محاور تتعامل مع كل طرف آخر بوصفه تهديدًا محتملًا. فالتوازن الحقيقي لا يتحقق بمجرد امتلاك حليف أقوى، بل بوجود قواعد واضحة تمنع الاعتداء، وتحمي السيادة، وتتيح تسوية النزاعات بالوسائل السلمية.

في نهاية المطاف، لا تكمن الإشكالية في أن تبحث دولة عن شريك جديد، بل في طبيعة الدافع الذي يقودها إلى ذلك، والحدود التي ترسمها لعلاقتها به، والثمن الذي قد تدفعه مقابل ما تتوقع الحصول عليه من ضمانات.

فحين يصبح القلق من الجوار محركًا أساسيًا لإعادة ترتيب العلاقات، يصبح من الضروري التمييز بين سياسة تستثمر في الاستقرار، وأخرى تكتفي بتغيير مواقع الأطراف داخل معادلة الصراع.

إن الطمأنينة التي تستند إلى قوة المؤسسات، وتماسك الجبهة الداخلية، واستقلال القرار، وعلاقات متوازنة مع المحيط، تظل أكثر قابلية للاستمرار من طمأنينة ترتبط بتقلب المصالح الخارجية.

فهل تبحث بعض الدول عن أبواب بعيدة لأنها وجدت فيها فرصًا جديدة، أم لأنها لم تعد تشعر بالأمان خلف أبواب الجوار؟

سؤال لا يقدم إجابة واحدة لجميع الحالات، لكنه يضع جوهر المسألة في مكانه الصحيح. فالعبرة ليست بالمسافة التي تفصل الحليف عن الدولة، بل بمدى قدرة العلاقة معه على حماية المصالح الوطنية دون تعميق المخاوف، أو توسيع دوائر الصراع، أو التضحية باستقلال القرار.

وهكذا، قد تبدو الطمأنينة المستعارة حلًا سريعًا في لحظة قلق، لكن استدامة الأمن تظل رهينة القدرة على تحويل الخلافات إلى مساحات للحوار، والمصالح إلى جسور للتعاون، والجغرافيا المشتركة من مصدر للتوجس إلى فرصة للاستقرار.

صدى نيوز إس 2

Related Posts

صمود وطن 

  مرشدة فلمبان كاتبة سعودية من خلال متابعتي لما يجري مؤخرََا من أحداث مسيئة لكيان الوطن.. لابد من امتطاء صهوة التمرد والحزم على كل المعتدين المتطاولين على بلادنا وقدسياتها لن ندعهم ينهشون أمن الدولة واستقرارها.. وزعزعة الأمان والسلام فيها.. من خلال الهجمات والإعتداءات المتكررة بيد شراذمة الفتن والتسلط المقيت على دولتنا لهو أمر لايمكن السكوت عنه.. هذه الشراذمة بمعية شياطين العالم الذين هم في الحقيقة ينتمون…

حين يبتعد النقد عن الفكرة 

  كاتبة رأي ايمان المغربي النقد مساحة نراجع فيها أفكارنا ونستمع إلى وجهات نظر مختلفة ونكتشف جوانب ربما لم ننتبه إليها. فمناقشة الأفكار تتيح لنا فرصة لفهمها بصورة أوسع حتى عندما نختلف معها لأن الاختلاف لا يمنع الاستفادة من الرأي الآخر ولا يلغي حق كل طرف في التعبير عن وجهة نظره لكن النقاش قد يبتعد احياناً عن الفكرة المطروحة وينتقل إلى صاحبها فيصبح الاهتمام منصباً على…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

لقد فاتك ذلك

طمأنينة مستعارة خلف حدود القلق… حين يبحث الأمان عن أبواب بعيدة

طمأنينة مستعارة خلف حدود القلق…  حين يبحث الأمان عن أبواب بعيدة

مصر ودول المجموعة الرباعية تصدر بيان شديد اللهجة يدين الإعتداء على المملكه من مليشيا الحوثى

مصر ودول المجموعة الرباعية تصدر بيان شديد اللهجة يدين الإعتداء على المملكه من مليشيا الحوثى

الذهب بين المطرقة والسندان

الذهب بين المطرقة والسندان

صمود وطن 

صمود وطن 

عمرو موسى: أمن السعودية خط أحمر والاعتداء عليها تهديد للأمن العربي بأسره.. ونحن أمام لحظة نكون فيها أو لا نكون

عمرو موسى: أمن السعودية خط أحمر والاعتداء عليها تهديد للأمن العربي بأسره.. ونحن أمام لحظة نكون فيها أو لا نكون

قاعة جمال العطاف بتعليم عسير.. وفاءٌ لا يغيب وأثرٌ يبقى

قاعة جمال العطاف بتعليم عسير.. وفاءٌ لا يغيب وأثرٌ يبقى

Primary Color

Secondary Color

Layout Mode