د . علي إبراهيم خواجي ـ جازان
في معركة الوعي ، لا تُقاس قوة الخطاب بارتفاع الصوت ، بل بقدرته على الصمود أمام الحقيقة .
ليست أخطر الأكاذيب تلك التي تُقال مرةً واحدة ، بل تلك التي تُكرَّر حتى تألفها الأسماع ، وتُقدَّم في كل مرة بثوب جديد ، وكأن تكرار الادعاء يمنحه صفة الحقيقة ، وكأن الظهور المتكرر على الشاشات يغني عن الدليل ، أو يعوّض غياب الوقائع .
وفي زمن الإعلام المفتوح ، حيث تنتقل الكلمات في ثوانٍ من استوديو تلفزيوني إلى ملايين الهواتف ، أصبح التضليل الإعلامي سلاحًا لا يقل خطورة عن غيره ، إذ يستهدف العقول ، ويشوّش الحقائق ، ويحاول أن يصنع من الرواية المنحازة واقعًا بديلًا في أذهان المتلقين .
وفي هذا السياق يبرز محمد البخيتي ، القيادي في جماعة الحوثيين ، بوصفه أحد الوجوه التي تتحدث باسم الجماعة عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية ، وتطرح مواقفها السياسية في ملفات الصراع اليمني والإقليمي . وهنا تبرز ضرورة إخضاع ما يقدمه من تصريحات وادعاءات للفحص والمقارنة والتحقق ، بعيدًا عن التسليم بالرواية لمجرد أنها قُدّمت بثقة أو تكررت بإصرار .
فالمشكلة ليست في أن يتحدث السياسي دفاعًا عن موقفه ، وإنما في أن تتحول الادعاءات إلى بديل عن الأدلة ، وأن يُطلب من الجمهور تصديق الرواية قبل اختبارها .
تكرار الرواية لا يجعلها حقيقة
تُنسب إلى وزير الدعاية النازية جوزيف غوبلز مقولة شهيرة مفادها أن الكذبة إذا تكررت بما يكفي صدّقها الناس .
أو كما يقال ” اكذب اكذب حتى يصدقك الناس ” ، ونعلم ما كان يقوم به وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحافة الذي كان يدير الحرب الإعلامية خلال الغزو الأمريكي للعراق.
هذه الفكرة التي تعبّر عنها تظل مدخلًا مهمًا لفهم بعض أساليب الدعاية : تكرار الرسالة ، وتضخيمها ، وإعادة تقديمها في صيغ مختلفة ، ومحاولة إزاحة الأسئلة المحرجة عن الوقائع إلى معارك جانبية حول المواقف والانتماءات .
وهنا يجب أن يكون الإعلام أكثر يقظة ، فليس كل تصريح حقيقة ، وليس كل متحدث يمتلك رواية مكتملة ، وليس كل مقطع متداول دليلًا على صحة ما يُقال بشأنه .
إن الحقيقة لا تُقاس بعدد مرات ترديدها ، بل بما يسندها من وثائق وشواهد وقرائن مستقلة .
محمد البخيتي .. حين توضع التصريحات تحت الاختبار
عندما يظهر محمد البخيتي في مقابلة تلفزيونية أو عبر منصة رقمية ، فإن ما يطرحه ينبغي أن يُقرأ في سياق موقعه السياسي وانتمائه إلى جماعة الحوثيين ، وأن يُفحص على ضوء الوقائع المتاحة والمصادر المستقلة ، لا أن يُستقبل بوصفه حقيقة نهائية لمجرد أنه صادر عن متحدث يمتلك القدرة على المناورة الكلامية .
وهناك العديد من الأمثلة التي تكشف أهمية هذا المنهج ، وتؤكد كذبهم في نقل المعلومات الخاطئة ، والتي تبين مقولة ” اكذب ، اكذب ، حتى يصدقك الآخرون ” ، ومنها ما أوردته وكالة رويترز في 16 سبتمبر 2024 بشأن تصريح للبخيتي قال فيه إن الولايات المتحدة عرضت الاعتراف بحكومة الحوثيين في صنعاء في محاولة لوقف هجمات الجماعة .
ونقلت الوكالة نفي مسؤول أمريكي لهذا الادعاء ، ووصفه بأنه مختلق بالكامل ، كما أشارت إلى رفض وزارة الخارجية الأمريكية لتصريحات الجماعة باعتبارها معلومات مضللة .
هذا المثال يوضح كيف يمكن لتصريح سياسي أن يتحول إلى روايتين متعارضتين ، ولماذا لا يجوز للصحفي أو المتلقي أن يتعامل مع الادعاء بوصفه حقيقة محسومة قبل فحص الأدلة والاستماع إلى الأطراف المعنية . ولا يكفي هذا المثال وحده للحكم على كل تصريحات البخيتي ، لكنه يبيّن أهمية التحقق من كل ادعاء على حدة .
إن الخطاب السياسي مهما بدا واثقًا ، يظل مطالبًا بالإجابة عن أسئلة بسيطة : ما الدليل ؟ من المصدر ؟ هل توجد وثائق ؟ وهل تؤيد الوقائع المستقلة ما قيل ، أم تناقضه ؟
الإعلام ليس منصة لتسويق الادعاءات
المؤسف أن بعض المنابر الإعلامية قد تمنح التصريحات المثيرة مساحة واسعة لمجرد قدرتها على جذب الانتباه ، دون أن تمنح التحقق من مضمونها المساحة ذاتها . وهنا تتراجع وظيفة الإعلام من كشف الحقيقة إلى إعادة تدوير الروايات ، ومن مساءلة المتحدث إلى الاكتفاء بمنحه وقتًا أطول للحديث .
إن مسؤولية الإعلامي لا تنتهي عند طرح السؤال ، بل تبدأ حين يواجه الإجابة بما يتوافر من أدلة . ومن واجبه أن يميّز بين الخبر والرأي ، وبين الادعاء المثبت والادعاء المتنازع عليه ، وأن يصحح المعلومات الخاطئة متى ظهرت الأدلة على خطئها .
كما أن منصات التواصل الاجتماعي تضاعف هذه المسؤولية ، فالمقطع المجتزأ قد يغيّر المعنى ، والعنوان المضلل قد يقلب مضمون التصريح ، وإعادة النشر آلاف المرات لا تمنح المعلومة شهادة صحة .
ولهذا فإن مواجهة التضليل لا تكون بالصراخ في وجه صاحبه ، ولا بالاكتفاء بالسخرية منه ، وإنما بتقديم المعلومة الموثقة ، ووضع الادعاء أمام الوقائع ، وإتاحة المصادر التي تمكّن الجمهور من الوصول إلى استنتاجه بنفسه .
الحقيقة أقوى من الضجيج
إن المجتمعات التي تحترم وعيها لا تمنح الثقة المطلقة لأي متحدث ، ولا تجعل الانتماء السياسي معيارًا وحيدًا لقبول المعلومات أو رفضها .
فالحقيقة لا تحتاج إلى حصانة من الأسئلة ، والرواية الصادقة لا تخشى المقارنة ، أما الادعاء الذي لا يصمد أمام الوثائق والشواهد ، فلن تنقذه كثرة الظهور ولا بلاغة العبارة .
وفي النهاية فإن محمد البخيتي ، ومن هم على شاكلته من المتأرينين ، شأن أي شخصية سياسية أو إعلامية، ينبغي أن يُحاسَب خطابه بميزان الوقائع ، لا بميزان الانطباعات . وكل تصريح يثبت تناقضه مع الأدلة يستحق النقد والتفنيد ، وكل ادعاء يفتقر إلى السند يجب أن يبقى في دائرة الادعاء حتى يثبت .
ففي معركة الوعي ، لا تنتصر الحقيقة لأنها الأعلى صوتًا ، بل لأنها الأقدر على إثبات نفسها . ولا تصبح الأكذوبة حقيقة بكثرة ترديدها ، بل تظل ادعاءً مهما تكررت ، إلى أن تكشف الوقائع ما لها وما عليها .
آخر حرف
وفي نهاية المطاف ، ستبقى الحقيقة أقوى من كل أبواق التضليل ، وأصلب من كل محاولات التزييف ، فالأكاذيب مهما ارتفعت أصوات مروّجيها ، ومهما تكررت على الشاشات والمنصات ، لا تستطيع أن تمنح الباطل شرعية ، ولا أن تصنع من الوهم واقعًا . قد ينجح الكذب في خداع البعض مؤقتًا ، لكنه يعجز عن الصمود أمام الوقائع حين تتكلم ، والوثائق حين تظهر ، والتاريخ حين يسجّل .
إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس مجرد انتشار الكذب ، بل تحوّله إلى أداة لتضليل العقول وتزييف الوعي وتبرير الأجندات .
وهنا تصبح مسؤولية الإعلاميين والمثقفين وأصحاب الرأي أكبر من مجرد نقل الأخبار ، إنها مسؤولية حماية الحقيقة من التشويه ، والعقول من الاستغفال ، والوعي من الاختطاف .
فالحقائق لا تحتاج إلى أبواق تصرخ بها ، بل إلى أدلة تثبتها ، والأكاذيب لا تصبح حقائق بكثرة ترديدها ، كما أن الباطل لا يتحول إلى حق لمجرد أن أصحابه أتقنوا تسويقه . وفي معركة الوعي ، قد يسبق الكذبُ الحقيقةَ بخطوة ، لكنه لن يسبقها إلى النهاية ، لأن الضجيج قد يخدع الأسماع ، أما الحقيقة فتبقى وحدها القادرة على إسكات الضجيج .







