بقلم المستشار / مازن محمد آل ظافر
قد يُفتتح مشروعٌ وسط الاحتفاء، وتُلتقط الصور، وتُرفع التقارير، ثم تمضي السنوات فلا يبقى من يوم الافتتاح شيء يُذكر. وفي مكانٍ آخر، لا كاميرا فيه ولا منصة، تُصنع الأشياء التي تبقى.
أتذكر طالبًا ظل يخطئ في مسألة حسابية، حتى شرحها له معلمه بطريقة أخرى فانفتح أمامه ما استعصى عليه. المدرسة هي المدرسة، والمنهج هو المنهج، والمقاعد في أماكنها؛ كل ما تغيّر أن إنسانًا قرر أن يعيد الشرح مرة أخرى.
ولا يقتصر الأمر على المدارس. في المستشفى، ممرضةٌ تؤخر انصرافها حتى يطمئن مريضٌ اضطرب خوفه. وعلى طريق جديد، عاملٌ يصل إلى بيته قبل نوم أطفاله، فيجد هذه المرة وقتًا ليحكي لهم عن يومه.
وفي أحد المكاتب، أعاد موظفٌ معاملةً أنجزها قبل يوم، بعدما اكتشف خطأً كان سيضيّع حق صاحبها، ولم يكن أحد سيكتشفه. رآه زميله الجديد ومضى صامتًا، وفي الأسبوع التالي أعاد معاملةً مشابهة.
والمدهش أن أحدًا من هؤلاء لا يعلم بأثره. الطالب لا يدري أن شرحًا واحدًا أعاد إليه ثقته بنفسه، والموظف لا يدري أن زميلًا كان يراقبه، والممرضة لا تعرف أن بقاءها عشر دقائق أخرى كان كل ما احتاجه المريض. فالأثر الحقيقي ينتقل بصمت.
ولا أقول هذا انتقاصًا من المشاريع الكبرى، فهي التي تهيّئ المدرسة والمستشفى والطريق، ولا يستغني عنها مجتمع. لكنها تظل وعاءً، وقيمتها تكتمل حين يمتلئ بما يحتاجه الإنسان. والمدرسة التي اكتملت جدرانها لم تبدأ بعد، تبدأ حين يخرج منها طالبٌ يعرف أنه يستطيع.
والأبناء يتعلمون مما يرونه أكثر مما يسمعون. يرون أبًا يفي بوعده، وأمًّا تعترف بخطئها دون أن تتضاءل، ومسؤولًا يختار الإنصاف حين تكون له سلطة القرار. ثم يكبرون، ويجد أحدهم نفسه يومًا في موضع القرار، فيفعل ما رآه.
فحين ننظر إلى ما بنيناه، هل نسأل كم ارتفع البناء أمام أعيننا، أم نسأل: من ارتقى بفضله؟








