محمد فريح الحارثي
لواء متقاعد
في دروب الحياة، يمر العمر سريعاً كرمشة عين. منذ ثمانية وأربعين عاماً، جمعتني زمالة وصداقة نقية برجل عرفتُه، وعاصرتُ معه تفاصيل الأيام والغربة بحلوها ومرها. طوال هذه العقود، كنت أعلم أن صديقي هذا يمتلك قلباً يفيض بالشعر والمشاعر، فهو شاعر مخضرم من طراز رفيع، لكنني لم أدرك عمق ذلك الفيض الإنساني لديه إلا حين رأيتُه مؤخراً يتحدث بفخر واعتزاز وحُب عن ابنتُه الوحيدة التي اختصرت له الدنيا.
في مقطع فيديو عَفوي على منصات التواصل، كان يتكلم ويسكب روحه كاملة أمام الكاميرا. قال بلسان يملأه اليقين والفخر: “أنا عندي بنت واحدة، لم يرزقني الله بإخوة لها من بنين أو بنات.. وإذا كان العرب والشعراء يتفاخرون بالمعلقات السبع في عكاظ، فأنا أعتبر هذه البنت هي المعلقة الثامنة، هي القصيدة التي لم يكتبها شاعر قط”.
هذا التشبيه الشاعري لا يخرج إلا من جوف شاعر ذاق مرارة الانتظار، وعرف كيف يصيغ من صبر السنين ثناءً يليق بهبة الله له بنت أسماها “جود”. لم يكتفِ صديقي الشاعر عبدالله الزهراني بالنثر في وصفها، لكنه عاد ليركع الحرف تحت قدمي عاطفته، فأنشد لها بيتاً يختصر وجع السنين الباردة قبل مجيئها:
“مرحبا ياللي لفتنا من بعد طول الانتظار
بعدما جاء الشيب في راسي ودقني و الشنب
ما أعرف طعم السعادة قبل ما أشوفك يا جود”
أيّ اعتراف أعظم من هذا؟ رجل اشتعل رأسه شيباً، يربط تاريخ ميلاد سعادته الحقيقية باليوم الذي تفتحت فيه عينا بنته على الدنيا. ثم تأخذنا بلاغته الفطرية العفوية إلى إسقاطة معاصرة مذهلة حين يقول: “إذا كانت الدول العظمى يفتخرون أنهم طلعوا للقمر، فأنا القمر عندي في البيت”.
هذا الفخر العلني، وهذه التربية القائمة على المودة وإظهار الاعتزاز بالبنت، هي امتداد لنهج نبوي شريف غيّر نظرة البشرية للأنثى. فكلما قرأتُ كلمات صديقي، قفزت إلى ذهني سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وعلاقته الفريدة بابنته فاطمة الزهراء رضي الله عنها؛ فكان عليه الصلاة والسلام إذا دخلت عليه، قام إليها فأخذ بيدها وقبّلها وأجلسها في مجلسه. هذا الحنان النبوي العظيم هو الأصل الذي ينهل منه كل أب يعرف قدر البنات. فالبنت ليست عبئاً، وليست رقماً عابراً، بل هي حياة الأب، وسعادته، وكل ما يملك في هذه الدنيا.
إن هذا المقطع المتربع على عرش الاهتمام اليوم، ليس مجرد محتوى عابر للمشاهدة، بل هو درس حيّ في الأبوة، ورسالة لكل أب بأن يعتز ببناته ويشعرهن بأنهن “القصائد التي لم تُكتب بعد”. دمتَ يا صديقي عبدالله ودامت لك “جود” قمراً يضيء شيب أيامك، وقصيدةً خالدة لا تموت.







