عبدالله شراحيلي
ليس كل ما يُقال حقيقة، وليس كل من نقل إليك حديثًا أراد بك خيرًا؛ فكم من علاقةٍ جميلة أطفأ نورها كلام عابر، وكم من قلبٍ صادقٍ خسرناه لأننا منحنا آذاننا للآخرين، ومنعنا أصحاب القلوب من حقّ الدفاع عن أنفسهم.
إن من أشدّ ما يؤلم في العلاقات الإنسانية أن يتحوّل الحب إلى شك، والثقة إلى ريبة، والقرب إلى جفاء، لا لذنبٍ ارتكبه من نحب، بل لكلمةٍ سمعناها، أو حكايةٍ تناقلتها الألسن، أو ظنٍّ استقرّ في قلوبنا حتى عاملناه معاملة الحقيقة.
ما أسهل الهدم حين تتولّاه الكلمات، وما أصعب ترميم القلوب حين تنكسر الثقة! فقد يأتيك أحدهم بنصف حكاية، ويترك النصف الآخر خلفه، فتظلم إنسانًا لم تسمع منه، وتخسر روحًا كانت لك وطنًا وأمانًا.
وليس الحكيم من يُغلق أذنيه عن كل ما يُقال، بل من يُحسن التمييز، ويتثبّت قبل أن يحكم، ويمنح من يحب فرصةً للكلام؛ فالمحبة الناضجة لا تعني غياب الخلاف، وإنما تعني ألا نسمح للغرباء أن يكونوا قضاةً في علاقاتنا، ولا أن نجعل من الظنون أحكامًا نهائية على من نعرف صدقهم.
تذكّر أن الناس تتحدث اليوم عنك، وغدًا عن غيرك، أما القلوب الصادقة التي تمنحك الحب والوفاء، فليس من السهل أن تجد بديلًا عنها. وقد يأتي يومٌ تكتشف فيه أن من خسرتَه بكلمة، كان أصدق ممن نقلها إليك، وأنك أضعت نعمةً ثمينة وأنت تظن أنك تحمي نفسك.
فلا تجعل ألسنة الناس تهدم ما بنته المواقف، ولا تسمح لكلامٍ عابر أن ينتصر على عشرةٍ طويلة. إذا بلغك ما يسيء إلى من تحب، فاسأله قبل أن تحكم عليه، واستمع إليه قبل أن تبتعد عنه، وتذكّر دائمًا أن العدل لا يكتمل بسماع طرفٍ واحد.
فبعض الخسارات لا يصنعها غياب الحب، بل يصنعها سوء الظن، وبعض الندم لا يأتي لأننا فقدنا الأحبّة فحسب، بل لأننا فقدناهم لأسباب لم نتحقّق منها يومًا.
الخلاصة: لا تكن ممن يخسرون أعزّ الناس إرضاءً لكلام الناس؛ فالألسنة تنسى ما قالت، لكن القلوب قد لا تنسى من خذلها، وبعض الأحبّة إذا رحلوا، تركوا في الروح فراغًا لا يملؤه أحد.
*فاحفظ قلبك من الظنون، وعلاقاتك من الوشاية، وأحبّاءك من أحكامٍ لم تُبنَ على الحقيقة.*






